بطاقات جميلة الحربي
البطاقة الأولى
كنتُ أجلسُ في زاويةٍ هادئةٍ من الحديقة، أراقبُ تراقصَ الظلالِ على العشبِ الأخضرِ وأنا أحاولُ أن أُكملَ كتابةَ فصلٍ من روايتي؛ حين هبّتْ نسمةُ هواءٍ باردةٌ استوقفتْ قلمي، وتأملتُ كيف تتشبثُ إحدى ورقاتِ الشجرِ بغصنِها الواهنِ أمامَ الريحِ بعنادٍ أخير. في هذا السكونِ الفلسفي، أدركتُ أن بطلَ روايتي، ومثلُهُ نحنُ في حقيقةِ الوجودِ، نستهلكُ أعمارَنا في التمسكِ بأشياءَ كُتبَ عليها الرحيل. إن الحكمةَ لا تكمنُ في مقاومةِ العواصفِ بل في مهارةِ الاستسلامِ الأنيقِ للمجهولِ حين يحينُ وقته. أغلقتُ دفتري بعد أن علمتني تلك الورقةُ أن أعظمَ الفصولِ تُكتبُ حين نجرؤُ على تركِ الغصنِ لنبدأَ رحلةَ السقوطِ الحر نحو الذات.
البطاقة الثانية
أنفاس خلف السطور
وقفتُ مطولاً أمام شاشةِ حاسوبي المضاءة، أُحدقُ في بياضِ الصفحةِ العاريةِ التي استعصتْ على كلماتي لشهورٍ متواصلة، بعد أن خبا بريقُ الشغفِ في داخلي وتحولت الحروف إلى مجرد أشباح باردة لا تنبض بالحياة؛ وحين كدتُ أُعلنُ الاستسلامَ التام وأغلقُ الجهاز غارقةً في يأسي، وقعتْ عينايَ بمحض المصادفة على مسودةٍ ورقية قديمةٍ، خططتُها بخطِ يدي ذاتَ يومٍ مضى، حين كان الإبداع يتدفق كالنهر دون حواجز. في هذا الصمتِ المتأمل الممتد بين بياض الشاشة الرقمية واصفرار الورقة العتيقة، أدركتُ حقيقةً فلسفية عميقة: أن الشغفَ لا يموتُ أبداً ولا يتلاشى في العدم، إنما هو كائن حي ينامُ كالجمرِ المستتر تحت رمادِ التعبِ، والركض اليومي، والانتظار الطويل. إنه ينتظرُ منا فقط أن نكفَّ عن ممارسة الوصاية على عقولنا، وأن نتوقف عن إجبارِ الكلماتِ على الولادةِ القيصرية قبل أوانِها النقي. الكتابةُ في جوهرها ليست سباقاً محمومًا مع الوقت لإتمام الفصول، ولا هي رغبة في ملء الفراغ بنصوص جوفاء، بل هي حالة إنصاتٌ ذكيٌّ وحميم لنبضِ الروحِ حين تصبحُ جاهزةً تماماً للبوح والتجلي. المأزق الذي نقع فيه ككتّاب هو أننا نطارد الإلهام متناسين أن الإلهام كطائر بري لا يأتي لمن يركض خلفه بشبكة، بل يستقر على كتف من يجلس بسكينة مستعداً لاستقباله. وفي تلك اللحظة الفارقة، شعرتُ بحرارة دافئة وغريبة تتدفقُ مجدداً في أناملي، كأنما الروح عادت تسري في جسد النص الميت. تحركت يدي تلقائياً نحو لوحةِ المفاتيحِ، لا لأكتبَ روايةً عظيمة تُبهر العالم أو تُخلد اسمي، بل لأمنحَ نفسي فرصةً جديدةً للتنفسِ الحُر والنجاةِ عبر الحروفِ التي طال غيابُها، معلنةً تصالحي التام مع عثرات الطريق وولادة فصلي الجديد بسلام.
أنتَ الحكاية التي لا تنتهي - الكاتبة بثينة الصادق أحمد (عاصي)
بين الحبر والظلّ… من يكتب مَن؟ بقلم خيرة عبدالكريم
«الحرية بين الكينونة والاستلاب» سلمى معيوف
كاتبة وباحثة في الفلسفة والفكر
الكلمة والمُصرِّف في العربية: حين تصبح الكلمة موضوعًا لسؤال لساني
تبدو «الكلمة» في اللغة العربية شيئًا بديهيًا لا يحتاج إلى كثير من البحث: نكتبها، ننطقها، نفهم معناها، ونميزها عن غيرها من الكلمات. غير أن هذا التصور البسيط سرعان ما يصبح أكثر تعقيدًا عندما نقترب من اللغة من منظور لساني؛ فهل الكلمة وحدة واحدة لا تتجزأ؟ أم أنها تتكون من وحدات أصغر تحمل كل واحدة منها جانبًا من المعنى أو الوظيفة النحوية؟ وما الفرق بين الكلمة وبين ما يسميه اللسانيون المُصرِّف (Morpheme)؟
من هذه الأسئلة ينطلق كتاب «الكلمة والمُصرِّف في العربية» للدكتور محمد محمد يونس علي، أستاذ اللسانيات بجامعة الشارقة، ليقدم معالجة لسانية لمسألة تبدو مألوفة في ظاهرها، لكنها شديدة الأهمية عند دراسة بنية العربية وتحليلها.
من الكلمة إلى المُصرِّف
ينتمي الكتاب إلى مجال اللسانيات العربية الحديثة، وبخاصة إلى المنطقة التي تلتقي فيها المورفولوجيا (علم الصرف) مع النحو والدلالة والمعجم.
وتكمن أهمية المصطلح المركزي في الكتاب، أي «المُصرِّف»، في أنه لا يساوي بالضرورة «الكلمة». فالكلمة التي نستخدمها في الكلام قد تتضمن أكثر من عنصر لغوي ذي وظيفة معينة.
فعندما نقول مثلًا:
وكتبنا
فإننا أمام وحدة كتابية واحدة، لكنها من منظور التحليل اللغوي تتضمن عناصر متعددة؛ فهناك الواو، والفعل، وعلامة تدل على المتكلمين. وكل عنصر من هذه العناصر يؤدي وظيفة معينة في بناء العبارة ومعناها.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل نعد هذه العناصر كلها كلمات؟ أم أنها أجزاء من كلمة واحدة؟ وإذا كانت أجزاء، فما طبيعتها وحدودها؟
هذا النوع من الأسئلة هو الذي يجعل مفهوم «المُصرِّف» مهمًا في الدراسة اللسانية.
خصوصية العربية
لا يتعامل المؤلف مع العربية باعتبارها مجرد تطبيق لنظريات وضعت أصلًا لوصف لغات أخرى، وإنما يحاول النظر إلى خصوصية النظام العربي.
فالعربية لغة غنية بالبنية الصرفية والاشتقاقية، وتسمح الكلمة فيها بحمل قدر كبير من المعلومات في بنيتها نفسها.
خذ مثلًا كلمة:
فاستكتبناهم
إنها تبدو كلمة واحدة في الكتابة، لكنها تحتوي على طبقات متعددة من البنية والدلالة والوظيفة. ويمكن للتحليل اللساني أن يسأل عن الجذر، والصيغة، والزوائد، والضمائر، والوظائف التي تحملها هذه العناصر.
وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين الكلمة بوصفها وحدة لغوية وبين العناصر الصرفية التي يمكن أن تتكون منها هذه الوحدة.
الكلمة ليست مجرد مجموعة حروف
من الأفكار المهمة التي تبرز في هذا النوع من التحليل أن الكلمة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد سلسلة من الأصوات أو الحروف.
فكلمة مثل:
كاتب
ترتبط من جهة بالجذر ك ت ب، ومن جهة أخرى بالبنية الصرفية التي تجعلها على وزن فاعل، وتحمل معنى من قام بالفعل.
أما:
الكاتب
فقد أضيف إليها عنصر آخر هو «أل»، الذي يؤدي وظيفة محددة في النظام اللغوي.
وفي:
كاتبون
نجد علامة مرتبطة بالجمع، وهي «ون»، بينما في:
كاتبات
تظهر بنية أخرى مختلفة.
وهكذا فإن الكلمة العربية يمكن أن تكون مجالًا تتفاعل داخله عناصر معجمية وصرفية ونحوية متعددة.
الجذر والوزن والصيغة
من القضايا التي تجعل دراسة العربية مختلفة عن كثير من اللغات الأخرى المكانة الكبيرة التي يحتلها الجذر في النظام الصرفي العربي.
فالكلمات:
كتب، كاتب، مكتوب، كتاب، مكتبة، استكتب
تلتقي في شبكة اشتقاقية تربطها بالجذر «ك ت ب»، لكنها ليست كلمة واحدة ولا تحمل الوظيفة نفسها.
ومن هنا يصبح التحليل الصرفي مطالبًا بالتمييز بين مفاهيم متعددة، مثل:
الجذر — الوزن — الصيغة — الكلمة — الجذع — المُصرِّف — اللواصق.
وهذه المصطلحات ليست مترادفة، وإن كانت تتداخل في وصف بنية الكلمة.
العلاقة بين الصرف والنحو
ولا تتوقف أهمية الكتاب عند حدود الصرف؛ فالكلمة العربية تدخل في النظام النحوي من خلال وظائفها الإعرابية.
فكلمة مثل:
الطالب
قد تكون فاعلًا في جملة:
حضر الطالبُ.
وقد تكون مفعولًا به:
رأيت الطالبَ.
وقد تأتي مجرورة:
مررت بالطالبِ.
والكلمة واحدة من حيث مادتها المعجمية، لكن صورتها وعلاقتها بالسياق تتغير.
وهنا تبرز إحدى القضايا التي تجعل مفهوم «الكلمة» في العربية أكثر تعقيدًا من مجرد تعريفها بأنها وحدة كتابية مستقلة.
لماذا الكتاب مهم؟
تكمن قيمة هذا العمل في أنه يفتح بابًا للتفكير في اللغة العربية من زاوية تتجاوز الطريقة المدرسية التقليدية التي تكتفي غالبًا بتقسيم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، أو بتحديد الجذر والوزن.
إنه يحاول أن يضع القارئ أمام سؤال أكثر عمقًا:
ممّ تتكون الكلمة العربية؟
وما الذي يجعل عنصرًا ما جزءًا من الكلمة وليس كلمة مستقلة؟ وكيف تتفاعل العناصر الصرفية مع المعنى والنحو؟ وأين تنتهي الكلمة ويبدأ المُصرِّف؟
هذه الأسئلة مهمة ليس فقط للمتخصصين في اللسانيات، وإنما لكل من يهتم ببناء المعاجم، والتعليم الآلي للغة العربية، ومعالجة النصوص العربية بالحاسوب، وتحليل الكلمات والاشتقاق.
كتاب يقع بين التراث واللسانيات الحديثة
ومن الجوانب اللافتة في الكتاب أنه يتحرك في منطقة وسطى بين الدرس اللغوي العربي القديم والنظريات اللسانية الحديثة.
فالعربية تمتلك تراثًا هائلًا في دراسة الاشتقاق والتصريف والإعراب، لكن اللسانيات الحديثة تقدم أدوات ومصطلحات مختلفة لتحليل الظواهر نفسها.
ومن ثم فإن دراسة «الكلمة والمُصرِّف» تتيح إعادة النظر في بعض المفاهيم التراثية من خلال أسئلة اللسانيات الحديثة، من دون أن يعني ذلك إلغاء أحد المنهجين لحساب الآخر.
لمن يصلح الكتاب؟
الكتاب مناسب بصورة خاصة للطلاب والباحثين في:
- اللسانيات العربية.
- علم الصرف.
- النحو العربي.
- علم اللغة الحديث.
- المعجم وصناعة المعاجم.
- الدلالة.
- معالجة اللغة العربية حاسوبيًا.
كما يمكن أن يكون مفيدًا للمهتمين بتطوير تعليم العربية؛ لأنه يجعلنا ندرك أن تعليم الكلمة لا ينبغي أن يقتصر على حفظ شكلها ومعناها، بل يمكن أن يمتد إلى فهم بنيتها والعلاقات التي تربط أجزاءها.
«الكلمة والمُصرِّف في العربية» عمل يبحث في واحدة من الوحدات الأساسية في اللغة: الكلمة، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها شيئًا بسيطًا أو واضح الحدود، بل يحاول تفكيكها وتحليل مكوناتها وعلاقتها بالمُصرِّفات وبالنظام الصرفي والنحوي للعربية.
وقيمة الكتاب الأساسية أنه يدفع القارئ إلى إعادة النظر في شيء نستخدمه كل يوم دون أن نتوقف عنده: الكلمة.
فما نراه في الصفحة كلمة واحدة قد يكون، من منظور اللساني، بناءً مركبًا من وحدات متعددة، لكل منها وظيفة أو دلالة، ولا يمكن فهم البنية الكاملة إلا بالنظر إلى العلاقات التي تجمع بينها.
ولهذا يمثل الكتاب مدخلًا مهمًا لمن يريد الانتقال من دراسة العربية بوصفها مجموعة من القواعد إلى النظر إليها بوصفها نظامًا لغويًا متكاملًا يمكن وصفه وتحليله واكتشاف بنيته الداخلية.
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)
.webp)