رواية «البية قمر (آكلة رؤوس بايات تونس) لخديجة التومي تتألق في القائمة الطويلة لجائزة كتارا 2026

 واصلت الرواية التونسية ترسيخ حضورها في المشهد الأدبي العربي بعد أن نجحت أربع روايات تونسية في بلوغ القائمات الطويلة لجائزة كتارا للرواية العربية 2026، إحدى أهم الجوائز العربية المخصصة لفن السرد. ومن بين هذه الأعمال برزت رواية «البية قمر (آكلة رؤوس بايات تونس)» للكاتبة التونسية خديجة التومي، التي تأهلت ضمن فئة الروايات التاريخية، لتؤكد من جديد قدرة الأدب التونسي على المنافسة في المحافل الثقافية العربية الكبرى.


رواية «البية قمر (آكلة رؤوس بايات تونس) لخديجة التومي تتألق في القائمة الطويلة لجائزة كتارا 2026


ويأتي هذا التأهل في دورة استثنائية شهدت أعلى نسبة مشاركة منذ إطلاق الجائزة، ما يمنح هذا الإنجاز أهمية مضاعفة ويبرز جودة الأعمال التونسية التي استطاعت أن تجد مكانها بين آلاف الروايات المشاركة.

إنجاز يعكس قوة الرواية التونسية

لا يمثل وصول رواية «البية قمر (آكلة رؤوس بايات تونس)» إلى القائمة الطويلة نجاحًا فرديًا للكاتبة خديجة التومي فحسب، بل يعكس أيضًا الحضور المتنامي للرواية التونسية على الساحة العربية. فقد تمكنت أربعة أعمال تونسية من التأهل في أربع فئات مختلفة، وهو ما يدل على تنوع التجارب السردية في تونس وقدرتها على الإبداع في أكثر من جنس روائي.

وشملت المشاركات التونسية رواية «النهر الحزين» للروائي رضا كرعاني ضمن فئة الروايات المنشورة، ورواية «عرش الريح» للكاتب حسن سالمي ضمن فئة الروايات غير المنشورة، ورواية «هولوغرام» للكاتب عماد الجلاصي ضمن فئة روايات الفتيان، بينما مثّلت رواية «البية قمر (آكلة رؤوس بايات تونس)» الأدب التونسي في فئة الروايات التاريخية.

ويؤكد هذا التنوع أن السرد التونسي لم يعد محصورًا في لون أدبي واحد، بل أصبح حاضرًا بقوة في مختلف الاتجاهات الروائية، من الرواية التاريخية إلى الرواية الاجتماعية وروايات اليافعين.

الرواية التاريخية... نافذة على الذاكرة

يكتسب تأهل رواية خديجة التومي أهمية خاصة لأنها جاءت ضمن فئة الروايات التاريخية، وهي من أكثر الفئات تنافسًا في جائزة كتارا. وتعد الرواية التاريخية من الأجناس الأدبية التي تمنح الكاتب فرصة لإعادة قراءة الماضي واستحضار شخصياته وأحداثه في إطار فني يجمع بين الحقيقة التاريخية والخيال الروائي.

ويكشف عنوان الرواية «البية قمر (آكلة رؤوس بايات تونس)» عن ارتباطها بمرحلة تاريخية من تاريخ تونس، وهو ما يجعلها تنتمي إلى الأعمال التي تستلهم الذاكرة الوطنية وتحولها إلى مادة سردية قادرة على إثارة اهتمام القارئ العربي.

ورغم أن لجنة الجائزة لم تنشر تفاصيل عن مضمون الرواية، فإن مجرد وصولها إلى القائمة الطويلة يؤكد أنها استطاعت أن تستوفي المعايير الفنية والأدبية التي تعتمدها لجان التحكيم في واحدة من أبرز الجوائز العربية.

رواية «البية قمر (آكلة رؤوس بايات تونس) لخديجة التومي تتألق في القائمة الطويلة لجائزة كتارا 2026



دورة استثنائية بأرقام قياسية

شهدت دورة جائزة كتارا للرواية العربية لهذا العام مشاركة غير مسبوقة، حيث بلغ عدد الأعمال المقدمة 2610 روايات ودراسات، وهو أعلى رقم تسجله الجائزة منذ انطلاقها.

وتوزعت المشاركات جغرافيًا على النحو الآتي:
963 مشاركة من مصر والسودان.
719 مشاركة من بلاد الشام والعراق.
666 مشاركة من دول المغرب العربي.
245 مشاركة من دول الخليج العربي.
17 مشاركة من دول غير عربية.

وتعكس هذه الأرقام المكانة التي وصلت إليها الجائزة، إذ أصبحت محطة رئيسية يتطلع إليها الروائيون العرب لإبراز أعمالهم والوصول إلى جمهور أوسع.

منافسة في خمس فئات رئيسية

ضمت القائمات الطويلة لهذا العام أعمالًا موزعة على خمس فئات هي:

الروايات المنشورة.
الروايات غير المنشورة.
الروايات التاريخية.
روايات الفتيان.
الدراسات النقدية.

وقد أظهرت النتائج تنوعًا كبيرًا في جنسيات الكتاب والنقاد المشاركين، الأمر الذي يعكس الطابع العربي الشامل للجائزة، ويؤكد دورها في دعم الإبداع السردي وتبادل الخبرات بين مختلف التجارب الأدبية العربية.

محطة أولى نحو المنافسة النهائية

يشكل الوصول إلى القائمة الطويلة المرحلة الأولى في رحلة المنافسة على الجائزة، حيث ينتظر أن تعلن لجنة التحكيم خلال شهر أوت المقبل عن القائمة القصيرة التي ستضم تسعة أعمال في كل فئة.

وستتواصل المنافسة بعد ذلك حتى الإعلان عن الفائزين خلال فعاليات النسخة الثانية عشرة من مهرجان كتارا للرواية العربية، وهو الحدث الذي يجمع سنويًا نخبة من الروائيين والنقاد والمهتمين بالأدب من مختلف أنحاء العالم العربي.

جائزة كتارا... منصة للرواية العربية

منذ الإعلان عن إطلاقها عام 2014، وانطلاق أول دورة لها سنة 2015، نجحت جائزة كتارا للرواية العربية في ترسيخ مكانتها كواحدة من أكبر الجوائز الأدبية العربية، ليس فقط من خلال مكافآتها المالية، بل أيضًا عبر دعمها لترجمة الأعمال الفائزة إلى لغات عالمية، ما يسهم في تعريف القارئ الدولي بالإبداع العربي ويمنح الروايات الفائزة فرصًا أوسع للانتشار.

وقد أصبحت الجائزة اليوم منصة ثقافية تجمع أبرز الأصوات الروائية العربية، وتشجع على تطوير فن الرواية وتعزيز حضوره في المشهد الثقافي العالمي.

آمال تونسية بمواصلة التألق

يمثل وصول رواية «البية قمر (آكلة رؤوس بايات تونس)» إلى القائمة الطويلة مصدر فخر للمشهد الثقافي التونسي، كما يعكس استمرار الحضور التونسي المتميز في أهم التظاهرات الأدبية العربية. ويعزز هذا الإنجاز الثقة في قدرة الرواية التونسية على المنافسة والوصول إلى مراحل متقدمة من الجائزة، خاصة في ظل المستوى الفني الذي أظهرته الأعمال المشاركة.

ومع اقتراب موعد إعلان القائمة القصيرة، تتجه الأنظار إلى رواية خديجة التومي وبقية الأعمال التونسية، وسط آمال بأن تواصل نجاحها وتحجز مكانًا في المرحلة النهائية، لتؤكد مرة أخرى أن الرواية التونسية أصبحت أحد أبرز مكونات المشهد السردي العربي، وقادرة على نقل التاريخ والواقع والخيال إلى فضاءات أدبية رحبة تستقطب اهتمام القراء والنقاد على حد سواء.

فتح باب المشاركة في مسابقات دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع

 

إعلان فتح باب المشاركة في مسابقات دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع


فتح باب المشاركة في مسابقات دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع


تعلن دار سعاد الصباح للثقافة والإبداع عن فتح باب المشاركة في مسابقاتها السنوية في فرعي الإبداع العلمي والإبداع الفكري والأدبي، وذلك وفقًا للتفاصيل التالية:

أولًا: جائزة الشيخ عبدالله المبارك الصباح للإبداع العلمي

موضوعات المسابقة

  • تكنولوجيا التعليم: مستقبلها وضروراتها.

  • غزة.. حكاية شعب وأرض.

  • ثانوية الشويخ.. الحكاية منذ البداية.

  • مستقبل الطاقة المتجددة.

ثانيًا: جائزة الدكتورة سعاد الصباح للإبداع الفكري والأدبي

فئات المسابقة

  • الشعر.

  • القصة القصيرة.

  • المجلات الثقافية الكويتية.

موضوعات المسابقة

  • الدبلوماسية الناعمة: تاريخها وأثرها.

  • القضايا الاجتماعية في المسرح الكويتي.

  • التوظيف والأثر.

ملاحظة: وردت هذه الفئات والموضوعات في الإعلان الرسمي بصيغتها المنشورة.

الفئة العمرية

المشاركة متاحة لمن لا يتجاوز عمره 35 عامًا، على ألا يكون المتقدم قد تجاوز الخامسة والثلاثين من العمر بتاريخ 30 سبتمبر 2027.

الجنسيات

المسابقة مفتوحة لجميع أبناء الوطن العربي.

آخر موعد لاستقبال المشاركات

30 سبتمبر 2027.

طريقة التقديم

ترسل المشاركة بصيغتين:

  • Word

  • PDF

إلى البريد الإلكتروني:
[email protected]

شروط المشاركة

  • أن يكون المتقدم عربيًا.

  • ألا يتجاوز عمره 35 عامًا.

  • أن يكون العمل غير منشور في كتاب أو مجلة.

  • ألا يكون العمل قد فاز في أي مسابقة أخرى.

  • ألا يكون العمل من إنتاج أو مدعومًا بالذكاء الاصطناعي.

  • يفضل إرفاق ترشيح من جهة ثقافية أو تربوية معتمدة.

  • إرفاق صورة من بطاقة الهوية أو جواز السفر.

  • إرفاق العنوان الكامل، ورقم الهاتف، والبريد الإلكتروني.

  • لا يحق للفائزين سابقًا بإحدى جوائز الدار التقدم للمسابقة.

التحكيم

تتولى تقييم المشاركات لجان تحكيم متخصصة تضم نخبة من أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، مع مراعاة جودة العمل والإبداع بعيدًا عن أي اعتبارات شخصية أو سياسية أو دينية.

الجوائز

  • تكريم مادي ومعنوي للفائزين.

  • طباعة الأعمال الفائزة ضمن إصدارات دار سعاد الصباح.

نتمنى التوفيق لجميع المبدعين والباحثين الشباب في مختلف أنحاء الوطن العربي.

من النص إلى الخطاب: كيف نقول ما لا نقول - محمد محمد يونس علي.

 

من النص إلى الخطاب: كيف نقول ما لا نقول  - محمد محمد يونس علي.


يسعى هذا العمل إلى تقديم إطار نظري متكامل لفهم إنتاج المعنى وتداوله في التخاطب البشري، مع إبراز العلاقة الوثيقة بين المصرّح به والضمني. ويفترض أن النصّ لا يُمكن فهمه بوصفه كيانًا معزولًا، بل ضمن سياق أوسع يشمل قواعد اللغة، والمنطق، ومبادئ التخاطب، والسياق الداخلي والخارجي؛ إذ تتفاعل هذه العناصر لبلوغ مراد المتكلّم، الذي غالبًا ما يتجاوز حدود ما يُقال صراحة.

وقد تناولت في هذا العمل تصوّري للفرق بين النّص والخطاب على نحو غير معهود في الدراسات السابقة، تسخيرا لهذا التفريق في فهم العلاقة بين منطوق المتكلم وحده من جهة، ومنطوقه مع ما نصبه من قرائن وما اعتمد عليه من مبادئ التخاطب من جهة أخرى، وقد آل ذلك إلى الإجابة عن السؤال ما الذي نحتاج إليه لكي نحوّل النّص إلى خطاب. وقد اتضّح لنا من خلال ذلك أن القضية التي تعبّر عنها قولة المتكلم ما هي إلا جزء بسيط من القضايا التي بها نفسّر خطابه؛ إذا لا بدّ للمخاطب أن يفعّل ما هو مناسب للمقام من القضايا الصامتة الحافّة بالنّص سواء تلك الموجودة في أذهان المخاطبين أو في المقام التخاطبي، لكي يمكننا تقصيد كلامه على المحمل المناسب. وبذلك نكون قد ضممنا ما نصّ عليه المتكلم إلى ما نَصب من قرائن ومبادئ تخاطبية لكي نَبلغ مراده التخاطبي، أيّ أنّ الخطاب يعتمد على الجمع بين النّصّ والنّصب.
كما حاولنا أن نجيب في هذا العمل عن السؤال عما يترتب على تحوّل النّصّ إلى خطاب، وقد استقرأنا نحو ثمانية أنواع من المستلزمات تندرج في الخطاب دون النّصّ هي دلالة المقتضى، ودلالة الافتراض، ودلالة الإيحاء، والدلالة بالتأليف، والدلالة بالاستبدال، والدلالة بالتلويح، والدلالة بالقياس، والدلالة بالاستدلال؛ لنكون بذلك أجبنا عن سؤال العنوان وهو كيف نقول ما لا نقول.
يقترح العمل إذن تمييزًا واضحًا بين النص، المقتصر على ما يُقال صراحة، والخطاب، الذي يشمل النصّ وما يضاف إليه من معانٍ ضمنية تُستنتج من السياق. ويختلف هذا التمييز عن تقسيم سبربر وويلسون بين المعنى الصريح والمستلزم، إذ يعطي أهميّة أكبر للخطاب؛ لاشتماله على العناصر الضرورية غير المصرّح بها في عملية التخاطب؛ تلك التي أدرجا جزءا مهما منها فيما يسميانه بالصّريح.
وقد شدّدنا في هذا العمل على فكرة "نصب القرائن" باعتبارها جزءًا ضروريّا مكمّلا للنّص الصريح-، لكونه يندرج اندراجا حتميًا في مدخلات تأويل المتلقي، وإن كان النّص المصرّح به -خلافا لما يفهم من مجموع الخطاب- يمنح المتكلم فرصة للتنصل أو الاستدراك عند الحاجة.
وقد رأينا -مصداقًا لما ذُكر- أنّ المقاربة الخطابية (وهي المقاربة السائدة في التراث واللسانيات) لا تكتفي بالتعامل مع النصوص الصريحة فقط، بل تشمل معاني ضمنية لا تُدرك إلا من خلال مبادئ التخاطب والسياق. لذلك شدّدنا على أنّ الخطاب أوسع من النصّ، إذ يستبطن دلالات تتجاوز المعنى الظاهر وتفتح المجال لتفسيرات أعمق، في حين تتمحور المقاربة النصيّة في الدراسات القانونية المعاصرة وفي غيرها حول الالتزام بظاهر النصوص، رافضةً أي تأويلات أو اجتهادات قد تؤدي إلى ما يعدّونه تحريفًا لكلام المتكلّم. وتلتقي هذه المنهجية مع مذهب الظاهرية الإسلامي، الذي يقتصر على النصّ وحده مصدرًا لبلوغ قصد المتكلّم، رافضًا أي وسائل خارجية لتفسير المعاني.
وبناء على ذلك، بينما تقتصر القراءة النصّيّة على تحليل النصّ وفق قواعد اللغة ومعجمها، دون الالتفات إلى السياقات الخارجيّة. تستلزم القراءة الخطابيّة إدماج السياق العام وقرائنه التفصيليّة، ومبادئ التخاطب لفهم المعاني الضمنيّة، لتصبح أكثر شمولًا
وارتباطًا بمراد المتكلم في التخاطب الفعليّ.

حياةٌ ثانية للندوب .. العالم حقل أخطاء - نص الكاتبة زينب الزبيدي

 

حياةٌ ثانية للندوب .. العالم حقل أخطاء  - نص الكاتبة زينب الزبيدي

في البدايات، نظنّ أنّ الندوب هي الأثر الذي يتركه الألم وراءه.

علامةٌ صامتة على شيءٍ انكسر، وشاهدٌ صغير على معركةٍ لم نخرج منها كما دخلناها.
لكنّ العمر يعلّمنا أن للندوب حياةً أخرى. حياةً لا تبدأ مع الجرح بل بعده.
فبعض الجراح تنتهي حين تلتئم.
أما الندوب فتبدأ عملها الحقيقي بعد الالتئام. إنها لا تؤلم بالطريقة القديمة. لكنّها تتذكّر. وتجعلنا نتذكّر.
لا لتعيدنا إلى الوجع دائما، بل لتمنعنا من نسيان ما تعلّمناه داخله.
في سنواتنا الأولى، نحاول إخفاء ندوبنا.
العاطفية منها قبل الجسدية. نخجل منها. ونراها دليلاً على ضعفٍ ما. أو على خسارةٍ لم نحسن تجنّبها.
نقارن أنفسنا بمن تبدو حياتهم أكثر اكتمالا وأقلّ تصدّعاً
ولا نعرف أنّ لكلّ إنسان ندوبه الخاصة.
حتى أولئك الذين يبدون أكثر سلاماً فالهدوء الذي نراه في بعض الأرواح ليس غياب المعارك.
بل نتيجة عبورها. ولعلّ هذا هو أجمل ما تفعله الندوب.
إنها تحوّل التجربة إلى معرفة. لا تمنحنا السعادة بالضرورة.
لكنّها تمنحنا البصيرة.
بعد الخذلان، لا نعود نقرأ الوعود بالطريقة نفسها.
وبعد الفقد، لا يعود حضور الناس أمراً بديهياً.
وبعد الانكسار، نصبح أكثر انتباهاً لما يستحقّ أن يُحفظ.
وما يستحقّ أن يُترك.
هكذا تعمل الندوب. إنها تغيّر زاوية النظر. لا العالم.
هناك جراحٌ لا تجعلنا أقسى. بل أكثر رحمة.
لأنّ من عرف هشاشته جيّداً يصعب عليه أن يستهين بهشاشة الآخرين.
ومن حمل الحزن طويلاً يتعلّم كيف يفسح مكاناً لحزن غيره.
ومن عرف معنى السقوط، يكفّ عن السخرية من المتعثرين.
لهذا ليست كلّ الندوب خسارة.
بعضها تربية، وبعضها نضج، وبعضها أبوابٌ سرّية دخلنا منها إلى أنفسنا للمرة الأولى.
لكنّ المشكلة تبدأ حين نحاول العيش داخل تلك الندبة.
حين نمنحها أكثر مما تستحق. حين تتحوّل من ذكرى إلى هوية. ومن أثرٍ إلى سجن.
فالندبة خُلقت لتُذكّرنا بالطريق، لا لتصبح الطريق نفسه
ولهذا يحتاج الشفاء منا إلى خطوةٍ إضافية.
أن نحترم ما حدث دون أن نسمح له بأن يحتلّ كلّ المساحة.
أن نعترف بالألم دون أن نمنحه حقّ تعريفنا.
أن نحمل الدرس ونترك العبء. وهذه من أصعب المهارات التي يتعلّمها الإنسان.
لأنّ بعض الأوجاع تمنحنا شعوراً خفيّاً بالألفة.
حتى يصبح التخلّي عنها أشبه بالتخلّي عن جزءٍ من الذات.
لكنّ النضج يبدأ حين نفهم أنّنا لسنا مطالبين بحمل كلّ ما نجونا منه.
يكفينا أن نتذكّره.
يكفينا أن نشكره على ما علّم. ثم نتابع السير.
فالندوب الجميلة ليست تلك التي تختفي.
بل تلك التي تتوقّف عن النزف. وتتحوّل، مع الزمن، إلى خرائط صغيرة تدلّنا على الطرق التي عبرناها، وتذكّرنا،
كلّما شككنا في أنفسنا، أننا نجونا مرة من قبل. وأننا قادرون على النجاة مرّةً أخرى.

الرواية الجزائرية في خطر - الباحث كريم جدي

 

الرواية الجزائرية في خطر  - الباحث كريم جدي

حين تتحول الرواية من مشروع إبداعي ومعرفي إلى مجرد سلعة تُشترى وتُباع.. يصبح الحديث عن أزمة الرواية الجزائرية ضرورة ثقافية لا ترفًا فكريًا. فما نشهده اليوم من انفجار في عدد الإصدارات الروائية لا يعكس بالضرورة ازدهارًا أدبيًا... بل قد يكون في كثير من الأحيان مؤشرًا على تراجع معايير الجودة واختلال ميزان القيمة...

لقد أصبح لقب "روائي" يُنال بسهولة مدهشة.. يكفي أن يمتلك المرء القدرة على دفع تكاليف النشر حتى يجد اسمه على غلاف رواية بغض النظر عن مستواها الفني أو اللغوي أو الفكري... وهنا تتجلى واحدة من أخطر الظواهر التي أصابت المشهد الثقافي الجزائري وهي انتشار النشر التجاري الذي لا يرى في النص الأدبي سوى مصدر للربح.. ولا يقيم وزنًا لقيمة العمل أو أصالته أو مساهمته في تطوير الأدب الجزائري...
إن دور النشر التي تتخلى عن دورها الثقافي والنقدي لصالح الحسابات التجارية لا تسيء إلى الأدب فحسب.. بل تسيء إلى القارئ أيضًا... فهي تمنحه نصوصًا هشة وتكرّس الوهم بأن الرواية مجرد صفحات تُملأ بالحكايات.. بينما هي في حقيقتها بناء فني معقد يقوم على رؤية للعالم.. وهندسة للسرد...ووعي باللغة.. وإحاطة بالإنسان والتاريخ والمجتمع.....
والمشكلة لا تقف عند حدود النشر التجاري بل تمتد إلى كثير من الكُتّاب الذين اقتحموا عالم الرواية دون زاد معرفي أو تكوين أدبي حقيقي... فالرواية ليست خواطر مطولة... ولا مذكرات شخصية.. ولا يوميات منثورة... بل هي فن يحتاج إلى ثقافة موسوعية....وإلمام بالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والتاريخ...... فضلًا عن معرفة عميقة بمدارس الأدب العالمية وتيارات النقد الحديثة...
إن الكاتب الذي لا يقرأ إلا نفسه ولا يعرف من الرواية سوى ما يكتبه محكوم عليه بإنتاج نصوص تدور في فراغ... ولذلك نجد كثيرًا من الروايات الجديدة تعاني فقرًا لغويًا واضحًا.. وركاكة في الأسلوب.. وضعفًا في بناء الشخصيات... وهشاشة في الحبكة.. وغيابًا للرؤية الفكرية... حتى تبدو نصوصًا صماء.. جافة.. بلا روح.. وبلا متعة سردية حقيقية...
لقد غاب عن كثير من هذه الأعمال مفهوم تداخل الأجناس الأدبية الذي يمنح الرواية ثراءها.. وغابت عنها الأبعاد الفلسفية التي تجعلها تطرح أسئلة الوجود..والأبعاد النفسية التي تغوص في أعماق الإنسان.. والأبعاد السوسيولوجية التي تفسر حركة المجتمع...والأبعاد الأنثروبولوجية التي تكشف بنية الثقافة والهوية.... فتحولت الرواية عند البعض إلى مجرد حكاية مسطحة يمكن اختصارها في صفحات قليلة دون أن يخسر القارئ شيئًا...
ولعل الأخطر من ذلك أن بعض الجوائز المحلية وبعض التغطيات الإعلامية أسهمت - بقصد أو بغير قصد - في تضخيم أسماء لا تستند إلى منجز أدبي راسخ.. مما خلق حالة من التشويش في الذائقة العامة.. وأصبح القارئ العادي عاجزًا عن التمييز بين الرواية الحقيقية والمنتج الورقي الذي يحمل اسم رواية....غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الساحة الجزائرية لا تخلو من أصوات روائية جادة استطاعت أن تثبت أن الرواية فعل معرفي قبل أن تكون فعل كتابة.. وأنها مشروع حضاري قبل أن تكون وسيلة للشهرة... ومن بين هذه التجارب التي يشار إليها بالتقدير - حسب ما قرأته - تجربة الأستاذ عبد العزيز غرمول بما تتسم به من وعي باللغة وعمق في البناء السردي.. وتجربة البروفيسور اليامين بن تومي التي تنطلق من خلفية أكاديمية وثقافية واضحة فتمنح النص بعدًا فكريًا وجماليًا يتجاوز الحكاية إلى مساءلة الإنسان والمجتمع..
إن الدفاع عن الرواية الجزائرية لا يكون بالمجاملة ولا بالتصفيق لكل ما يُنشر.. وإنما بإحياء النقد الأدبي الجاد.. وإعادة الاعتبار للقراءة الصارمة.. وتشجيع دور النشر التي تضع الجودة فوق الربح وتكوين أجيال من الروائيين يؤمنون بأن الكتابة مسؤولية معرفية وأخلاقية لا وسيلة للحصول على لقب أو صورة في معرض كتاب...
فالرواية ليست مهنة من لا مهنة له.. وليست ملاذًا لكل من أتقن استخدام لوحة المفاتيح.. وإنما هي قمة الفنون السردية.. لا يبلغها إلا من امتلك الموهبة... وصقلها بالقراءة.. وأغناها بالمعرفة... وصبر طويل على التعلم والتجريب....
إن الرواية الجزائرية ليست في خطر بسبب قلة الكتّاب... بل بسبب كثرة المتسرعين.. وليست مهددة بندرة الإصدارات.. بل بفيض النصوص التي تفتقر إلى شروط الأدب....وحين يصبح الكم معيارًا ويُقصى الكيف.. فإننا لا نبني نهضة روائية بل نؤسس لفوضى أدبية سيدفع ثمنها القارئ ثم الثقافة الوطنية بأكملها.




هل انتهى زمن القراءة والمطالعة؟

بقلم خيرة عبدالكريم

هل انتهى زمن القراءة والمطالعة؟


  يعتقد كثير من الناس أن زمن القراءة والمطالعة قد انتهى، خاصة عند ملاحظة انشغال الأجيال الصاعدة بالهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي. 
فقد أصبحت الشاشات تستحوذ على معظم أوقات الشباب، بينما تراجع الإقبال على الكتب والمجلات، مما أثار مخاوف بشأن مستقبل الثقافة والمعرفة. ولا شك أن وسائل التكنولوجيا غيّرت عادات القراءة، فأصبح الكثيرون يفضلون المحتوى السريع والمختصر على القراءة المتأنية التي تتطلب تركيزًا وصبرًا. 
وقد أدى ذلك إلى انخفاض الاهتمام بالكتب الورقية، وإلى تراجع عادة المطالعة اليومية لدى فئة من الشباب. لكن القول إن زمن القراءة قد انتهى ليس دقيقًا. فالقراءة لم تختفِ، بل تغيرت أشكالها ووسائلها. فكثير من الشباب يقرأون الكتب الإلكترونية، والمقالات، والأبحاث، ويتابعون المنصات الثقافية عبر الإنترنت. 
كما أن هناك فئة لا تزال تؤمن بأن الكتاب خير جليس، وتحرص على تنمية معارفها من خلال المطالعة المستمرة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود التكنولوجيا، بل في كيفية استخدامها. فإذا استُثمرت الوسائل الرقمية في نشر المعرفة وتشجيع القراءة، فإنها يمكن أن تكون وسيلة فعالة لإحياء ثقافة المطالعة بدل أن تكون سببًا في تراجعها. 
وفي الختام، تبقى القراءة أساس بناء الفكر وتوسيع الآفاق، مهما تغيرت الوسائل. فالمجتمعات التي تشجع أبناءها على المطالعة هي الأقدر على الإبداع والتقدم، لأن المعرفة كانت وستظل مفتاح نهضة الإنسان.