الكلمة والمُصرِّف في العربية: حين تصبح الكلمة موضوعًا لسؤال لساني

 

الكلمة والمُصرِّف في العربية: حين تصبح الكلمة موضوعًا لسؤال لساني


تبدو «الكلمة» في اللغة العربية شيئًا بديهيًا لا يحتاج إلى كثير من البحث: نكتبها، ننطقها، نفهم معناها، ونميزها عن غيرها من الكلمات. غير أن هذا التصور البسيط سرعان ما يصبح أكثر تعقيدًا عندما نقترب من اللغة من منظور لساني؛ فهل الكلمة وحدة واحدة لا تتجزأ؟ أم أنها تتكون من وحدات أصغر تحمل كل واحدة منها جانبًا من المعنى أو الوظيفة النحوية؟ وما الفرق بين الكلمة وبين ما يسميه اللسانيون المُصرِّف (Morpheme)؟

من هذه الأسئلة ينطلق كتاب «الكلمة والمُصرِّف في العربية» للدكتور محمد محمد يونس علي، أستاذ اللسانيات بجامعة الشارقة، ليقدم معالجة لسانية لمسألة تبدو مألوفة في ظاهرها، لكنها شديدة الأهمية عند دراسة بنية العربية وتحليلها.

من الكلمة إلى المُصرِّف

ينتمي الكتاب إلى مجال اللسانيات العربية الحديثة، وبخاصة إلى المنطقة التي تلتقي فيها المورفولوجيا (علم الصرف) مع النحو والدلالة والمعجم.

وتكمن أهمية المصطلح المركزي في الكتاب، أي «المُصرِّف»، في أنه لا يساوي بالضرورة «الكلمة». فالكلمة التي نستخدمها في الكلام قد تتضمن أكثر من عنصر لغوي ذي وظيفة معينة.

فعندما نقول مثلًا:

وكتبنا

فإننا أمام وحدة كتابية واحدة، لكنها من منظور التحليل اللغوي تتضمن عناصر متعددة؛ فهناك الواو، والفعل، وعلامة تدل على المتكلمين. وكل عنصر من هذه العناصر يؤدي وظيفة معينة في بناء العبارة ومعناها.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر دقة: هل نعد هذه العناصر كلها كلمات؟ أم أنها أجزاء من كلمة واحدة؟ وإذا كانت أجزاء، فما طبيعتها وحدودها؟

هذا النوع من الأسئلة هو الذي يجعل مفهوم «المُصرِّف» مهمًا في الدراسة اللسانية.

خصوصية العربية

لا يتعامل المؤلف مع العربية باعتبارها مجرد تطبيق لنظريات وضعت أصلًا لوصف لغات أخرى، وإنما يحاول النظر إلى خصوصية النظام العربي.

فالعربية لغة غنية بالبنية الصرفية والاشتقاقية، وتسمح الكلمة فيها بحمل قدر كبير من المعلومات في بنيتها نفسها.

خذ مثلًا كلمة:

فاستكتبناهم

إنها تبدو كلمة واحدة في الكتابة، لكنها تحتوي على طبقات متعددة من البنية والدلالة والوظيفة. ويمكن للتحليل اللساني أن يسأل عن الجذر، والصيغة، والزوائد، والضمائر، والوظائف التي تحملها هذه العناصر.

وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين الكلمة بوصفها وحدة لغوية وبين العناصر الصرفية التي يمكن أن تتكون منها هذه الوحدة.

الكلمة ليست مجرد مجموعة حروف

من الأفكار المهمة التي تبرز في هذا النوع من التحليل أن الكلمة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد سلسلة من الأصوات أو الحروف.

فكلمة مثل:

كاتب

ترتبط من جهة بالجذر ك ت ب، ومن جهة أخرى بالبنية الصرفية التي تجعلها على وزن فاعل، وتحمل معنى من قام بالفعل.

أما:

الكاتب

فقد أضيف إليها عنصر آخر هو «أل»، الذي يؤدي وظيفة محددة في النظام اللغوي.

وفي:

كاتبون

نجد علامة مرتبطة بالجمع، وهي «ون»، بينما في:

كاتبات

تظهر بنية أخرى مختلفة.

وهكذا فإن الكلمة العربية يمكن أن تكون مجالًا تتفاعل داخله عناصر معجمية وصرفية ونحوية متعددة.

الجذر والوزن والصيغة

من القضايا التي تجعل دراسة العربية مختلفة عن كثير من اللغات الأخرى المكانة الكبيرة التي يحتلها الجذر في النظام الصرفي العربي.

فالكلمات:

كتب، كاتب، مكتوب، كتاب، مكتبة، استكتب

تلتقي في شبكة اشتقاقية تربطها بالجذر «ك ت ب»، لكنها ليست كلمة واحدة ولا تحمل الوظيفة نفسها.

ومن هنا يصبح التحليل الصرفي مطالبًا بالتمييز بين مفاهيم متعددة، مثل:

الجذر — الوزن — الصيغة — الكلمة — الجذع — المُصرِّف — اللواصق.

وهذه المصطلحات ليست مترادفة، وإن كانت تتداخل في وصف بنية الكلمة.

العلاقة بين الصرف والنحو

ولا تتوقف أهمية الكتاب عند حدود الصرف؛ فالكلمة العربية تدخل في النظام النحوي من خلال وظائفها الإعرابية.

فكلمة مثل:

الطالب

قد تكون فاعلًا في جملة:

حضر الطالبُ.

وقد تكون مفعولًا به:

رأيت الطالبَ.

وقد تأتي مجرورة:

مررت بالطالبِ.

والكلمة واحدة من حيث مادتها المعجمية، لكن صورتها وعلاقتها بالسياق تتغير.

وهنا تبرز إحدى القضايا التي تجعل مفهوم «الكلمة» في العربية أكثر تعقيدًا من مجرد تعريفها بأنها وحدة كتابية مستقلة.

لماذا الكتاب مهم؟

تكمن قيمة هذا العمل في أنه يفتح بابًا للتفكير في اللغة العربية من زاوية تتجاوز الطريقة المدرسية التقليدية التي تكتفي غالبًا بتقسيم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، أو بتحديد الجذر والوزن.

إنه يحاول أن يضع القارئ أمام سؤال أكثر عمقًا:

ممّ تتكون الكلمة العربية؟

وما الذي يجعل عنصرًا ما جزءًا من الكلمة وليس كلمة مستقلة؟ وكيف تتفاعل العناصر الصرفية مع المعنى والنحو؟ وأين تنتهي الكلمة ويبدأ المُصرِّف؟

هذه الأسئلة مهمة ليس فقط للمتخصصين في اللسانيات، وإنما لكل من يهتم ببناء المعاجم، والتعليم الآلي للغة العربية، ومعالجة النصوص العربية بالحاسوب، وتحليل الكلمات والاشتقاق.

كتاب يقع بين التراث واللسانيات الحديثة

ومن الجوانب اللافتة في الكتاب أنه يتحرك في منطقة وسطى بين الدرس اللغوي العربي القديم والنظريات اللسانية الحديثة.

فالعربية تمتلك تراثًا هائلًا في دراسة الاشتقاق والتصريف والإعراب، لكن اللسانيات الحديثة تقدم أدوات ومصطلحات مختلفة لتحليل الظواهر نفسها.

ومن ثم فإن دراسة «الكلمة والمُصرِّف» تتيح إعادة النظر في بعض المفاهيم التراثية من خلال أسئلة اللسانيات الحديثة، من دون أن يعني ذلك إلغاء أحد المنهجين لحساب الآخر.

لمن يصلح الكتاب؟

الكتاب مناسب بصورة خاصة للطلاب والباحثين في:

  • اللسانيات العربية.
  • علم الصرف.
  • النحو العربي.
  • علم اللغة الحديث.
  • المعجم وصناعة المعاجم.
  • الدلالة.
  • معالجة اللغة العربية حاسوبيًا.

كما يمكن أن يكون مفيدًا للمهتمين بتطوير تعليم العربية؛ لأنه يجعلنا ندرك أن تعليم الكلمة لا ينبغي أن يقتصر على حفظ شكلها ومعناها، بل يمكن أن يمتد إلى فهم بنيتها والعلاقات التي تربط أجزاءها.

«الكلمة والمُصرِّف في العربية» عمل يبحث في واحدة من الوحدات الأساسية في اللغة: الكلمة، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها شيئًا بسيطًا أو واضح الحدود، بل يحاول تفكيكها وتحليل مكوناتها وعلاقتها بالمُصرِّفات وبالنظام الصرفي والنحوي للعربية.

وقيمة الكتاب الأساسية أنه يدفع القارئ إلى إعادة النظر في شيء نستخدمه كل يوم دون أن نتوقف عنده: الكلمة.

فما نراه في الصفحة كلمة واحدة قد يكون، من منظور اللساني، بناءً مركبًا من وحدات متعددة، لكل منها وظيفة أو دلالة، ولا يمكن فهم البنية الكاملة إلا بالنظر إلى العلاقات التي تجمع بينها.

ولهذا يمثل الكتاب مدخلًا مهمًا لمن يريد الانتقال من دراسة العربية بوصفها مجموعة من القواعد إلى النظر إليها بوصفها نظامًا لغويًا متكاملًا يمكن وصفه وتحليله واكتشاف بنيته الداخلية.

رابط الكتاب و التحميل

حديث قصير عن هيجل - آن كارسون Anne Carson

 


حديث قصير عن هيجل   - آن كارسون  Anne Carson

ذلك كان العام الذي مات فيه أخي؛ كنت أعيش في الشمال ولدي القليل من الأصدقاء أو كانوا جميعًا قد سافروا. في يوم الكريسماس كنت أجلس على مُتَّكأي، أقرأ شيئًا عن هيجل. لتسامحني إن كنت شخصًا يعرف الكثير عن أعمال هيجل أو يفهمها، لست كذلك وسأعيد الصياغة بشكل سيئ، لكنني فهمت أنه يقول إنه ضاق بالنقد الشائع لنثره الرديء وأنه يدَّعِي أن النحو التقليدي، بثنائية الفعل والفاعل الخرقاء، يتعارض مع ما دعاه “التأمل”. والتأمل هو عمل الفلسفة الحق. التأمل هو الجهد المبذول لإدراك الواقع في كليته التفاعلية. إن وظيفة جملة مثل “العقل هو الروح” (قال هيجل)، ليست التأكيد على حقيقة، بل وضع العقل جنبًا إلى جنب مع الروح والسماح لمعانيهما أن تختلط برقة في التأمل. شعرتُ بفرح غامر من فكرة فضاء فلسفي حيث تسري الكلمات في إعادة تعريف رقيق متبادل لأحدها الآخر، لكنني كنت، في الوقت نفسه، وحيدة على نحو بائس وقد ماتت عائلتي بأكملها وها هو الكريسماس قد أتى، لهذا ارتديت حذاءً طويلًا ومعطفًا كبيرًا وخرجت كي أمارس الوقوف على الجليد. لم أفعل ذلك منذ الطفولة! لقد نسيت كم هو مذهل. ذهبت إلى منتصف غابة. أشجار التنوب، مُعلِّمات ذلك، في كل مكان. عشرون درجة تحت الصفر في الريح لكن داخل الأشجار لا توجد ريح. يستخلص العالم نفسه طبقة بعد طبقة. أصوات الخارج، مثل مرور السيارات وجرف الثلج، تتلاشى. تصير أصوات الداخل مسموعة، شقوق، تنهدات، مداعبات، أغصان، أنفاس طيور، أظافر قدم سنجاب. تتحرك أشجار التنوب بضخامة. الأبيض له استدارات تامة الكمال. الأبيض مذهول بذاته. هبَّات من ضباب الجليد وبضعة أشياء ذهبية تطفو إلى أعلى. تُكدِّس الظلال ثباتها على امتداد الثلج باهتزاز ظلال أخرى تتحرك فوقها بالعرض، ظل فوق ظل، بسرعات دقيقة. الجو بارد جدًّا، وحينها يبدأ ذلك، أيضًا، في استخلاص نفسه، يرتجف الجسد على سطحه، لكن الجوهر ساخن، ومن الممكن فصل السطح، والانسحاب إلى الجوهر، حيث تتدفق سكينة خلابة، خلابة إلى حد أنني لا أتحرَّج من استخدام كلمة “خلابة”، وهذه ليست سكينة انفصال عن الحواس، بل سكينة غامرة من نظر، وإنصات، وشعور، في جوهر الثلج ذاته، في جوهر عناية الثلج ذاته. ليس لهذا صلة بهيجل ولم يكن لتعجبه الجمل التقليدية الخرقاء التي حاولت من خلالها أن أتحدث عن الأمر، لكن أظن، إن لم أكن أجرب في ذلك الكريسماس المزاج المحدد لحنق هيجل النحوي، أنني لم أكن لأخرج قط كي أقف في الجليد، أو أبقى كي أتأمله، أو أصبر على الجلوس وتسجيل التأمل لنفسي كما لو كانت هذه طريقة وجيهة لقضاء ما بعد ظهيرة، طريقة معقولة لتغيير رعب العطلة الجليدي إلى عودة من نوع ما. كريسماس سعيد من هيجل.

يا ليلى - نص من رواية الكاتبة مروى وزاني

 يا ليلى   - نص من رواية الكاتبة مروة وزاني


جلست ليلى على حافة السرير ، والبلل ما زال يلتصق بثوبها ، وشعرها المبلل يسقط خصلات متشابكة على وجهها الشاحب ... أمسكت ورقة وقلما ، يداها ترتجفان ، وصدرها يعلو و يهبط بأنفاس مضطربة ، كانت الكلمات تتساقط منها كما تتساقط الدموع التي لم تجد طريقها إلى عينيها ... كتبت بخط متقطع ، كأن كل حرف نزيف ....

" قيس ....
لأول مرة في حياتي أشعر أنني لا اساوي شيئا في هذا العالم
لم أتخيل يوما انك انت من كنت ملاذي ستكسرني ،
انت يا قيس أطفأت النور الذي كنت اتباهى به أمام نفسي حطمتني بطريقة لن أنساها ما حييت و متى مت
أخذت كل ما املك ، جعلتني غريبة في جسدي ، غريبة في قلبي ، حتى ضحكتي صارت تخاف مني
كنت اراك الأمان فاذا بك الخطر ذاته،
كنت أظنني إستثناءك فاذا بي مجرد تفصيل في حربك مع نفسك قبل العالم
إستغليتني فوق الإستغلال إستغلالا
لا تقل شيئا، فقد تذكر أن إمرأة كانت تؤمن بك اكثر مما تؤمن بنفسها
رحلت منك مع كره وبغض لا مثيل له
لن اسامحك وستكون خصمي يوم القيامة ،تذكر ذلك جيدا "
وضعت القلم جانبا ، نظرت الى الورقة طويلا ثم طوتها ببطء واحتضنتها كما يحتضن طفل لعبته الأخيرة. .. لم يكن مجرد وداع ، كانت نهايتها بعد أن إستنجذت كثيرا ..

نص الشاعر الليبي مفتاح العماري

 

نص الشاعر الليبي مفتاح العماري


يحدث أحيانًا أن أقول لنفسي:

سأتخلى عن كتابة الشعر،
وأعود إلى الجبل؛
لعلي أظفر ببقايا شجرة ميتة
أحملها على كتفي،
أو نصف امرأة مهجورة، عند حافة قرية هرمة توشك على الخرف؛ قد لا يسعها الاحتفاظ بأوصاف حكايتي.
وفيما أنا أمشي منحنيًا،
سأترك أثرًا على الدروب:
خشخشة حروف حزينة ما تلبث
أن تتحول الى بذور،
وعصافير تطير مزهوة، في أرجاء اللغات.
وقد يحدث في الأثناء:
أن راعيًا ما على الأقلّ،
سوف يستوقفني متسائلاً:
ماذا تصنع بكل هذه الفوضى؟
حينها لن أهتم بأوجاع تاريخي،
وأردّ بفخر:
-أنا حطاب.


حرب الروايات - تأليف: إيمان بوعناني

 "حرب الروايات" — رحلة أدبية في أعماق النفس البشرية

تأليف: إيمان بوعناني
النوع الأدبي: رواية نفسية / تشويق وغموض

حرب الروايات   -  تأليف: إيمان بوعناني


عن الرواية:
هل تساءلت يوماً عن تلك الحروب الخفية التي تدور في باطنك دون أن يراها أحد؟ تلك المعارك الصامتة التي نصل فيها إلى أقصى درجات الإنهاك النفسي ونحن نحارب أنفسنا بأنفسنا؟
تأخذنا رواية "حرب الروايات" في رحلة فريدة ومجنونة تتجاوز حدود السرد التقليدي، لتضع القارئ في قلب صراع نفسي متلاطم الأمواج. تنطلق الأحداث على متن سفينة تمخر عباب البحر، حالمةً وهادئة في ظاهرها، لكنها محملة بالأسرار والحكايات المتشابكة في باطنها. هناك، بين ممرات السفينة وأحداثها المتسارعة، تتقاطع حكايات وشخصيات عديدة، تعكس كل واحدة منها جزءاً من صراعاتنا الإنسانية اليومية، ومخاوفنا التي نحاول الهروب منها باستمرار.
لكنّ البناء الروائي لا يتوقف عند حدود التشويق الخارجي؛ بل ينعطف بالترددات السردية نحو عمق نفسي مدهش. في تحوّل درامي فاصل، تكتشف أن تلك القصص والتفاصيل المتشابكة لم تكن سوى تجسيد لمتاهات العقل البشري، وأن ما عشته على متن السفينة هو في جوهره جلسة علاجية واستشفائية تجمع بين مريض ومريضة داخل مسار التعافي من اضطرابات نفسية متعددة ومُعقّدة.
تطرح الرواية تساؤلات عميقة حول معنى الشفاء والإدراك:
كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز اضطرابه النفسي حين يستمع إلى صوته الداخلي بصدق؟
كيف يغدو الفن والأدب والكتابة ملاذاً أول وإسعافاً أدبياً لخلاص الروح من معتقلات الخوف؟
وكيف نصل إلى مرحلة السلام والتعافي من خلال فهم الذات والتصالح معها بدلاً من الصراع معها؟
إن "حرب الروايات" ليست مجرد كتاب يُقرأ، بل هي جُرعة أدبية لمداواة الأرواح، وإسعاف أول لكل من يبحث عن إجابات داخل سراديب نفسه. إنها دعوة المبدعة إيمان بوعناني لتخطي أزماتنا، والتصالح مع ذواتنا، وتحويل معاركنا الداخلية إلى وقود يمنحنا القوة للإبحار نحو شاطئ الأمان.

فتاة المطر - نص الكاتبة سناء سليمان قدوري

فتاة المطر    - نص الكاتبة سناء سليمان قدوري


على حدود القرية، وفوق ذلك السور القديم، تجلس وهي تحدق في الأفق، تسرح بخيالها إلى أبعد نقطة منه. فجأة، ودون سابق إنذار، تسمع صوت خالتها يتعالى: "أين أنتِ؟ تأخرتِ، سيفوتك الغداء!"

تحمل دلو الماء في يديها وتنزل الدرج مسرعة، تكاد تسقط، وهي مبتسمة لأنها تعرف أن خالتها ستعاتبها: أين كنتِ؟ مع من؟ ماذا كنتِ تفعلين؟ تتوالى صرخات خالتها عليها كأغنية عذبة اعتادت سماعها كل يوم.

تنهي الدرج لتكمل الطريق الترابي بين أغصان شجر العناب وبعض من شجر الرمان والتفاح، ثم شجر الزعرور، لتصل إلى المكان الذي كانت ترهب منه، إنها سيقان التمر الهندي وأشواكه المرعبة... وأخيراً وصلت، واستمعت إلى سيمفونية الخالة التي تعزفها بمهارة. تضع المياه في مكانها وتغتسل، ثم تجلس أمام جدتها. - لا تنزعجي من خالتك، إنها تخاف عليك... - ثم أنتِ، ألم تملي من الركض بين حقول الزرع؟ لقد كبرتِ وأصبحتِ عروساً، ليست كل الأماكن الآن متاحة لكِ، أدركي ذلك وافهميه. مبتسمة كعادتها: حسناً، فهمت، لن أكررها. بسم الله، طبخك كل يوم يصبح أحلى يا جدتي، إنك تتحسنين. - أجل، أنا آخذ من حلاوتك وأضع فيه، لذا يصبح هكذا. - هيا، ليس وقت المزاح، الأكل سيبرد. بعد الانتهاء، تساعد في ترتيب الغرفة، وبينما يستلقي الجميع لأن الجو بارد، تتسلل هي خارجاً، تنزل إلى الحديقة السفلى وتتجول فيها. تستمتع بتلك النسمات التي تخترق قلبها لتجعله منتعشاً. وبينما هي تلعب كطفلة مدللة، تبدأ قطرات المطر بمعانقة شعرها الطويل. تركض نحو الأعلى تسابق المطر علها تصل قبل أن تتبلل، ولكن الجو لا يستأذنها، وتفتح السماء أبواب الخير، فتغرق رجلاها الصغيرتان في الطين، تسقط مرة وتفوز مرة، وكل ما يشغلها أنها وسخت ثوبها وخالتها ستوبخها. حين تدرك أنها الخاسرة، تختبئ في خُمِّ الدجاج، إنه أقرب مكان لها. تجلس قرب المدفأة الصغيرة، فجدها بنى داخل كل خُمٍّ مدفأة لأن الجو صعب في الشتاء ولا يريد لحيواناته أن تبرد. تزيد بعض الحطب وتستلقي فوق التبن وتبدأ بمداعبة قطتها، تحدثها عن أحلامها. صوت المطر فوق السقف يقرع كأنه موسيقى تهدئها، فتغفو كأنما تنام في الجنة. تفتح عينيها بثقل وكأن فوقهما جبل من الأحلام، ويُزفر حلقها بسعال يرعب صيصانها. - إنها هنا، وجدتها... تعالي... ماذا تفعلين بنا؟ أرعبتِنا... سيكون عقابك اليوم كما لم يكن من قبل. - اعتذر، سبقني المطر فغلبني. وترفع يدها متعبة لتمسح دمع خالتها المنهمر كحبات اللؤلؤ ولكنها لا تصل. - أسرع، احملها... إلى المشفى، حرارتها مرتفعة. تستيقظ بعد مدة لتجد والدها ووالدتها بجانبها: أين خالتي؟ أين أنا؟ لن أكررها، سامحيني. تنهمر منها الدموع وتتخبط بين يدي والدها. يسارع الطبيب بإخراج الجميع. تتنفس بهدوء وتسأل الطبيب: ما اليوم؟ - أهلاً بك يا حلوة، ما اسمك؟ - ياسمين. - ما عمرك؟ - أنا في الخامسة والنصف. - أي يوم نحن فيه؟ - اليوم الاثنين أو ربما... - لماذا تقولين ربما؟ - لأني نمت والجو كان عاصفاً، لكني أرى المكان مشمساً وكأننا في الربيع. - فعلاً أنتِ كما قيل عنك ذكية وفطنة، نحن في يوم الخميس. الطبيب: نتائج تحليلها تؤكد ما أخبرتكم به، تعاني فقر دم وتحتاج إلى عناية. تبدل ثيابها والحزن يأكل قلبها، تبحر بعينيها في ساحة المشفى عساها تلمح طرف ثوبها، هي لن تودعني، أعرف هذا جيداً. وتجول شاردة الذهن بين نوافذ السيارات إلى أن تلمحها... أخيراً تبتسم وترتاح بصدق وتنطلق إلى سيارة أبيها دون تردد، فقط التقت نظراتها بنظرة خالتها وغسلت قلبها بنور حبها: إلى لقاء قريب أيتها الغاضبة الحنون، سأعود بسرعة. ابتدأ الموسم الدراسي وانشغلت بالتركيز على دروسها. اختلفت الحياة في المدينة عن الريف، لكن صوت المطر وهو يرتطم بألواح القصدير ما زال يطربها. بعد سنين، هذه العطلة كانت مختلفة جداً، أصبحت الطفلة المشاغبة عروساً، وانتظرت جدتها بشهادة الإعدادية تحمل تقدير جيد جداً. - جدتي، أتحتاجين شيئاً؟ أنا سأنزل قليلاً. - إلى أين؟ عودي إلى هنا، الشمس حارقة. - لا تقلقي، أنا سأكون عند عين الماء. وكبرتُ يا جدتي، وعرفتُ أن عين الماء التي كنتِ ترسلينني إليها لم تكن ماءً فقط، كانت درساً في العطاء. فهمتُ الآن لماذا كنتِ تخافين عليّ من كل الحقول، ولماذا كانت خالتي تصرخ وتعاتب، لأن الحب عندنا كان قاسياً ليحمينا. اليوم، وأنا أمشي إلى عين ماء أخرى بعيدة، في هذه المدينة التي لا تعرفني، أتذكر خالتي تلك المرأة التي كانت تفعل مثلي تماماً، تفتح قلبها كخُمّ دافئ لكل من أتعبه الطريق.
أدركتُ أن كل امرأة تمنح دون أن تنتظر الشكر، هي خالتي، وهي خالتي مليكة، وهي جدتي التي كانت تأخذ من حلاوتي لتجعل طبخها أحلى. كلنا فتيات مطر، نركض ونقع في الطين.