فإنا أحييناه - نص ختام زاوي

 

فإنا أحييناه - ختام زاوي

حينما ضبط المنظر ..لم يكن قائد السجون "رفائيل "هو الذي غضب والتهبت الدماء في عروقه ..بل هو وحده الذي ضل السبيل للطلوع من تحت أجنحة المحتل ..حتى الجب كان مغموسا مترين تحت قالب الزنزانة أما طنطنة القائد فقد كانت مسموعة وهو ينذر القوم المكلوم تحت شظايا الإنفجار بأن ساعة النجاة من تحت الردم لا مناص منها أما ساعة الإعدام فإنها محتومة وكأنه يبحث عن حل كي يزيل عبء الشرور عن عاتقه ملتمسا العلل والمعاذير فقد  خاب ضميره و خلا قلبه من الحياة.

أما عبد الله فقد كان يقتات خيوط القنبلة الأخيرة من تحت التراب ويلملمها في الخفاء ضابطا نفسه عن البكاء على ساكني الزنزانة المجاورة الذين لا يعرفهم ولا يعرفونه .

ولكنهم عراة في مخيلته يملؤهم الخوف  والهلع  من نشوب القنابل المتتالية  أما الرغبة في المزيد منها فقد كانت محرقة ولم يكن الدم المهدور على الارض بخسارة ولكنه نداء الفرار من الإنتظار والتوجس أجبر الأرواح أن تتعقب الخلاص بلهفة ..وقد ربتت هذه الأسرار على كتف عبد الله .

شق عبد الله قميصه وربط يده اليمنى التي جرحتها شقوق الحفرة ولم يفرغ قلبه بعد من الحزن اللاذع الذي يفعمه إفعاما إلا أنه لم يضع لها مقاما وتفلت من الشيطان الذي  يوشك أن يلقيه ميتا .

فتمتم في نفسه:" لكن لا بد من بعض الشر ! لابد أن أمكر حتى أقصي دار العدو ولابد أن أكيد حتى تقصى سكينة المحتل المغرور! وما أيسر الكيد حين يطمئن له الضمير ..ولن أبلغ هذه الغاية التي أسمو إليها حتى أقتحم في سبيلها غمرات وأنال بها شهادة"

وإذا به يلقف آخر عبوة ويربط الفتيل بمقبض قصب طويل أما الأسلاك فقد تمددت ثم انتثرت حذوه ..بألوان فولاذية متفرقة لم يستطع تحصيلها فقد استحالت الرؤية في هذه الحفرة  الغائرة  حتى أنه  لا يكاد يسعى إليها حتى يشيع صوت الأشباح مختلطا بصوت الجرافات  وزفارات العدو المدوية فوق رأسه  ولابد أنهم أقاموا أسطولا كاملا  من الجيش باحثين عن اللص..

أخذه شئ من الذعر خوفا من عدم إتمام المهمة وكان يجب أن يبذل أكثر من القوة والجهد ومن الحيلة والذكاء ..وكأنه يجاهد قوة غير منظورة . وهذه هي الليلة التي رمقت منها الأجرام وكانت المعادلة.. وكأن التوازن بدا على أشده وكم كان يتمنى ان ينهي هذه المأمورية دون صراع   ..لكنه ارتد على حافة الشقوق 

..ثم تقلب على وجهه فانحسر طرف القميص على نصفه التحتاني ..فإذا به ينزلق في هوة أعمق ولم تدب بعد قدمه على الأرض حتى ضمر ونضب فجأة ولم  يبق منه سوى إرتفاع في الحرارة وسرعة في النبض.

ألصق خده  بالعبوة يستأنس بها و يضمها إليه وكأنها قد منحته سرا جديدا و هو أن يتحمل هذا الدور فقط بل إنها تجعله أيضا  عاجزا أن يتصور أي عواطف عامة ونبيلة وحنونة  ..

نهض عبد الله متثاقلا..خذلته يداه فانزلقت القنبلة وقد أصدرت عند ارتدادها إيقاعا مخلوقا من الطين و من الدم ..تحسس صوته واختلط معه  إحساس العجزبالجنون وتاهت به أحلام الحرية في متاهات الفن ..يواسي نصفه الحي وهو يلقي شعرا للمتنبي:

إذا اعتاد الفتى خوض المنايا         فأهون مايمر به الوحول

فرد عليه صوت مغمور في ثنايا الجب :

-الله معك يا برغوثي 

ذهب الذهول على المهندس وفارقه الوجوم واستقرت عيناه وهدأت واستقامت وانطلق لسانه بالحديث:

-غفار ! ..غفار ..!

-إني ونيسك الليلة..فاسترح

-لقد أنعمت علي بهذه الوديعة ..قل بالله عليك  ..كيف مررت بها وعبثت بعقل السجان؟!

-إن الفلسطنيين ينجحون متأخرا لكنهم يصلون في نهاية الأمر ..وإن التنوير في صفوف الأسرى ينتشر بالتدريج ..فلقد تم تفكيك العبوتين الي خمسة و عشرين قطعة على عدد الموقوفين وكل  واحد منهم قد وضع قطعة في أخمص قدميه كي لا ترى  وقد تم  تجميعها بالسر في  خزان المرحاض الخارجي ..وبالصدفة وصلت ..وبحكمة لا يعلمها أحد..

-إنها الفضيلة بعينها وأنه البذل الأعظم الذي ييدو أنه يستحق الجزاء الأسمى 

أردف غفار بصوت متحشرج وكأنه يقاوم الإغماء:

بل يجب أن ننظر إلى الأمر بتبجيل آخر..إن الجيل الأصغر –

سنا محظوظ  لأنه سيرى بعض الأشياء العظيمة.

فهمهم المهندس وهو يقول :أشعر أن الدين قد ولد من جديد..

أما هو فقد كان ينتظر الرد إلا أن الصوت قد علا وإختفى كالوهم فقد كان الردم بينه وبين غفار جسيما وكأن الزنزانة قد أطبقت عليهم بعدد مرات تفوق الخيال وإنزوى البئر العميق  خارج الكوكب ..لكنه كالعادة هم بالبحث عن العبوة يمينا وشمالا حتى لقيها وهتف وهو غارق في الاستبشار:

إنها القنبلة السابعة  والستون .. "ألابوغا " التي ستحولك يا رفائيل أنت وأتباعك إلى رماد..

وبكل ضجيج وصخب بدأت الجرافات تنحت طريقها وتقترب نحوهم وكانت عجلاتها تتدحرج بثقة وعزم  فجاء صوت غفار  كالنغم  :

"ثبت يا برغوثي..ثبتها وإضغط على الزر ..لا مزيد من الاستغفال فالكل ينتظر هذه اللحظة!!

أرجوك  لا تستغني عن الحرية !"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق