فإنا أحييناه - نص ختام زاوي

 

فإنا أحييناه - ختام زاوي

حينما ضبط المنظر ..لم يكن قائد السجون "رفائيل "هو الذي غضب والتهبت الدماء في عروقه ..بل هو وحده الذي ضل السبيل للطلوع من تحت أجنحة المحتل ..حتى الجب كان مغموسا مترين تحت قالب الزنزانة أما طنطنة القائد فقد كانت مسموعة وهو ينذر القوم المكلوم تحت شظايا الإنفجار بأن ساعة النجاة من تحت الردم لا مناص منها أما ساعة الإعدام فإنها محتومة وكأنه يبحث عن حل كي يزيل عبء الشرور عن عاتقه ملتمسا العلل والمعاذير فقد  خاب ضميره و خلا قلبه من الحياة.

أما عبد الله فقد كان يقتات خيوط القنبلة الأخيرة من تحت التراب ويلملمها في الخفاء ضابطا نفسه عن البكاء على ساكني الزنزانة المجاورة الذين لا يعرفهم ولا يعرفونه .

ولكنهم عراة في مخيلته يملؤهم الخوف  والهلع  من نشوب القنابل المتتالية  أما الرغبة في المزيد منها فقد كانت محرقة ولم يكن الدم المهدور على الارض بخسارة ولكنه نداء الفرار من الإنتظار والتوجس أجبر الأرواح أن تتعقب الخلاص بلهفة ..وقد ربتت هذه الأسرار على كتف عبد الله .

شق عبد الله قميصه وربط يده اليمنى التي جرحتها شقوق الحفرة ولم يفرغ قلبه بعد من الحزن اللاذع الذي يفعمه إفعاما إلا أنه لم يضع لها مقاما وتفلت من الشيطان الذي  يوشك أن يلقيه ميتا .

فتمتم في نفسه:" لكن لا بد من بعض الشر ! لابد أن أمكر حتى أقصي دار العدو ولابد أن أكيد حتى تقصى سكينة المحتل المغرور! وما أيسر الكيد حين يطمئن له الضمير ..ولن أبلغ هذه الغاية التي أسمو إليها حتى أقتحم في سبيلها غمرات وأنال بها شهادة"

وإذا به يلقف آخر عبوة ويربط الفتيل بمقبض قصب طويل أما الأسلاك فقد تمددت ثم انتثرت حذوه ..بألوان فولاذية متفرقة لم يستطع تحصيلها فقد استحالت الرؤية في هذه الحفرة  الغائرة  حتى أنه  لا يكاد يسعى إليها حتى يشيع صوت الأشباح مختلطا بصوت الجرافات  وزفارات العدو المدوية فوق رأسه  ولابد أنهم أقاموا أسطولا كاملا  من الجيش باحثين عن اللص..

أخذه شئ من الذعر خوفا من عدم إتمام المهمة وكان يجب أن يبذل أكثر من القوة والجهد ومن الحيلة والذكاء ..وكأنه يجاهد قوة غير منظورة . وهذه هي الليلة التي رمقت منها الأجرام وكانت المعادلة.. وكأن التوازن بدا على أشده وكم كان يتمنى ان ينهي هذه المأمورية دون صراع   ..لكنه ارتد على حافة الشقوق 

..ثم تقلب على وجهه فانحسر طرف القميص على نصفه التحتاني ..فإذا به ينزلق في هوة أعمق ولم تدب بعد قدمه على الأرض حتى ضمر ونضب فجأة ولم  يبق منه سوى إرتفاع في الحرارة وسرعة في النبض.

ألصق خده  بالعبوة يستأنس بها و يضمها إليه وكأنها قد منحته سرا جديدا و هو أن يتحمل هذا الدور فقط بل إنها تجعله أيضا  عاجزا أن يتصور أي عواطف عامة ونبيلة وحنونة  ..

نهض عبد الله متثاقلا..خذلته يداه فانزلقت القنبلة وقد أصدرت عند ارتدادها إيقاعا مخلوقا من الطين و من الدم ..تحسس صوته واختلط معه  إحساس العجزبالجنون وتاهت به أحلام الحرية في متاهات الفن ..يواسي نصفه الحي وهو يلقي شعرا للمتنبي:

إذا اعتاد الفتى خوض المنايا         فأهون مايمر به الوحول

فرد عليه صوت مغمور في ثنايا الجب :

-الله معك يا برغوثي 

ذهب الذهول على المهندس وفارقه الوجوم واستقرت عيناه وهدأت واستقامت وانطلق لسانه بالحديث:

-غفار ! ..غفار ..!

-إني ونيسك الليلة..فاسترح

-لقد أنعمت علي بهذه الوديعة ..قل بالله عليك  ..كيف مررت بها وعبثت بعقل السجان؟!

-إن الفلسطنيين ينجحون متأخرا لكنهم يصلون في نهاية الأمر ..وإن التنوير في صفوف الأسرى ينتشر بالتدريج ..فلقد تم تفكيك العبوتين الي خمسة و عشرين قطعة على عدد الموقوفين وكل  واحد منهم قد وضع قطعة في أخمص قدميه كي لا ترى  وقد تم  تجميعها بالسر في  خزان المرحاض الخارجي ..وبالصدفة وصلت ..وبحكمة لا يعلمها أحد..

-إنها الفضيلة بعينها وأنه البذل الأعظم الذي ييدو أنه يستحق الجزاء الأسمى 

أردف غفار بصوت متحشرج وكأنه يقاوم الإغماء:

بل يجب أن ننظر إلى الأمر بتبجيل آخر..إن الجيل الأصغر –

سنا محظوظ  لأنه سيرى بعض الأشياء العظيمة.

فهمهم المهندس وهو يقول :أشعر أن الدين قد ولد من جديد..

أما هو فقد كان ينتظر الرد إلا أن الصوت قد علا وإختفى كالوهم فقد كان الردم بينه وبين غفار جسيما وكأن الزنزانة قد أطبقت عليهم بعدد مرات تفوق الخيال وإنزوى البئر العميق  خارج الكوكب ..لكنه كالعادة هم بالبحث عن العبوة يمينا وشمالا حتى لقيها وهتف وهو غارق في الاستبشار:

إنها القنبلة السابعة  والستون .. "ألابوغا " التي ستحولك يا رفائيل أنت وأتباعك إلى رماد..

وبكل ضجيج وصخب بدأت الجرافات تنحت طريقها وتقترب نحوهم وكانت عجلاتها تتدحرج بثقة وعزم  فجاء صوت غفار  كالنغم  :

"ثبت يا برغوثي..ثبتها وإضغط على الزر ..لا مزيد من الاستغفال فالكل ينتظر هذه اللحظة!!

أرجوك  لا تستغني عن الحرية !"

لحظة منفلتة .. قصة تماضر كريم

 تماضر كريم ( كاتبة من العراق).


لحظة منفلتة .. قصة تماضر كريم


الأمر بدأ بفكرةٍ مضحكة ، في لحظة منفلتة ، كانت تسكب الشاي في الأكواب بكلّ أريحية ، بعد أن وضعت كمية كبيرة من السكّر لابنتها و كمية متوسطة لزوجها و تركت كوبها بلا سكر ، حسنا ، ماذا لو أنهتٔ حياتها ، انفرجت شفتاها عن أسنان سليمة لامعة وهي تتخيل شكل عائلتها و أصدقائها بعد سماعهم النبأ، كادت تضحك بصوت عال ، لشدة غرابة الفكرة و استحالة وقوعها ، عندما حملت الأكواب بخفة، و بهجة قلّ نظيرها، انفجر السؤال بداخلها ( لم لا )؟ 

كثيرا ما أحب زوجها طريقتها في فعل الأشياء، لم يخبُ يوماً شعاع انبهاره بها ، حتى بعد عشر سنوات من الرِفقة  ، عندما حمل الشاي إلى شفتيه صدرت منه صيحة ، لقد احترق لسانه ، ضحكت بدلال و تهكّمت عليه ، ما لبث أن حلّ صمتٌ مفاجيء ، صمت غريب ، ثم خيم على قلبها إحساس عميق بالحزن ، وهي تشرب شايها المُر ، يا للعجب ، إنها تُمطر ، إنها زخة مطر عجولة غزيرة ، تطرق النوافذ بإلحاح واضح ، و ترسم على النوافذ خطوطا متعرجة و على الطرقات خرائط غامضة ، و الفكرة ذات الفكرة تومض في خيالها ، كيف تُنهي هذا الوجود .. هذا الكيان  ، لمَ قد تكون هذه الفكرة مستحيلة ، إنها قابلة للحصول ، فتحت خزانة ملابسها ، ألقت نظرة على كلّ شيء، الحقائب ، الحليّ ، علب التجميل ، هنا حاسوبها و أقلامها التي تختارها بعناية ، و دفاترها ، و مكتبتها ذات الرفوف شديدة الترتيب ، و الجدران التي تزينها اللوحات الباهضة و الصور التي تشرق بالبسمات ، كل شيء هنا يريد أن يعيش ، أن يدوم ، أن يعانق الصباح  كلّ يوم ، و يسهر مع النجوم كل ليلة ، لكنها لم تفهم ، لماذا كانت تشعر أنها تودّع كل أشياءها التي تحب ، كأنها تلوّح لها ، 

هل هي لعنة الفكرة التي باغتتها ؟ (نعم لمَ لا ؟ لم قد تكون تلك التفاصيل مهمة ، و تلك الأشياء ذات قيمة  ؟ ألم يكن أولئك الذين أنهوا حياتهم قبلي ، في لحظة ما مستغرقين في أيامهم بتفاصيلها الحلوة و المرة ، و ربما كانوا في أوقات ما يعيشونها بشغف كبير ، نعم ، أظن أن ضحكتي المبالغ فيها اليوم حول فكرتي المباغتة كانت سخافة لا أكثر ، فالأمر جاد ، إنه ليس مضحكا أبدا ) . أغلقت الخزانة ، و الكتاب الذي بقي مفتوحا على صفحة ما منذ ليلة ، نزعت الخواتم من أصابعها و باقي الحلي ، 

رفعت شعرها الطويل إلى الأعلى، عندما خرجت من غرفتها كانت قد وضعت خطة لتنفيذ فكرتها ، ذهبت  بثبات لتبدأ بالخطوة الأولى ، لكن صوت ابنتها أوقفها لوهلة ( ماما أين دفتر الرسم ..لم أعثر عليه في حقيبتي ) ،قالت لنفسها أن من ينوون عمل شيء مهم لن يثنيهم الأطفال عن ذلك ، الأطفال سبب عاطفتنا الزائدة و سبب ضعفنا ، كانت تفكر في ذلك وهي تبحث عن دفتر الرسم، تبا لدفتر الرسم، تحت السرير وجدته  بعد بحثٍ قصير، حملته بلا مبالاة إلى ابنتها ( لا تُلقي أشيائك هكذا ..لقد نبهتكِ مرارا )، أدهشتها فرحة ابنتها بدفتر الرسم ، ماذا سترسم الآن ؟ تبدو متحمسة ، 

لكن ماذا لو انتظرت قليلا ريثما تُنهي رسمتها، هذه الطفلة مذهلة في استعمال الألوان، نظرت إلى الأرض والسماء و البيت ذي النافذة الصغيرة و شجرة الرمان ، في لوحة ابنتها ، كان كل شيء كاملا هنا ، عدا الأشخاص ،إنهم مغيبون، حسنا تفعل، عالم بلا إنسان، هذا ما يجب أن نرسمه، لم تُظهِر ثناءً لابنتها ، كانت غارقة في تفاصيل اللوحة،( ماما  ماما هل هي جميلة )؟ 

كلّ ما  علينا فعله أن نتجاهل جمال الأشياء من حولنا، الأطفال ، لوحاتهم، الأصدقاء، الأيام القادمة ، التفاصيل الحلوة ، نكهات الشاي والقهوة مثلا ، طعم الكعك المحلى ، كل شيء.  ينبغي أن نكون شجعانا، الأشياء العظيمة تبدأ بفكرة، فكرة مضحكة أحيانا، صدقيني يا صغيرتي حتى لوحتك هذه لن تصمد أمامها ، حتى ابتسامتك، و رغبتك في الثناء، فقط لا تؤخري رجاء ما أريد البدء به !       

دموع تحت المصباح - أم غادة الجم

قصة قصيرة 

دموع تحت المصباح   - أم غادة الجم




لم يكن الليل عادياً تلك الليلة. كان الصمت متكتلاً في الزوايا، يتسلق الجدران كأنه مخلوق حي، يتنفس ببطء، يتأمل وجهها المرهق، وكتفيها المنهارتين. في الركن المعتم، بجوار الجدار البارد، انحنت روزا على جسد والدها المسجى على الأرض. لم تكن تبكي، لم تكن تصرخ، فقط كانت تسند رأسها فوق ساعديها، تحدق في الفراغ، كأنها تحاول أن تجد في العدم تفسيراً لكل شيء.

كل شيء انهار في لحظة واحدة. قبل ساعات فقط، كان والدها يبتسم رغم التجاعيد التي حفرتها الأيام على وجهه، ورغم الجهد الذي التهم ظهره، كان يقول لها: "الصباح دائماً يحمل شيئاً جديداً، لا تخافي من الليل يا صغيرتي." لكنها الآن وحدها، والليل يسخر منها، والمصابيح فوق رأسها تومض وكأنها تبكي معها.

تذكرت كيف بدأت الحكاية. جاء ذلك الرجل ذو القفازين السوداوين، لم يكن وجهه واضحاً تحت الظلال، لكنه كان يحمل شيئاً في يده. شيء صغير، لكنه كان كافياً ليمحو كل ما تبقى من أمل. الكلمة الوحيدة التي نطق بها قبل أن يختفي في الظلام كانت: "انتهى."

انتهى؟ ما الذي انتهى؟ لم يكن والدها سوى رجل بسيط، يعمل بيديه، يكافح ليضع الخبز على الطاولة. لم يكن له أعداء، لم يكن له أصدقاء حتى. فمن ذا الذي قرر أن يأخذ منه الحياة بهذه البساطة؟

لم تكن روزا تفكر في الانتقام، لم تكن تفكر في العدالة، فقط أرادت أن تتشبث بلحظة أخيرة، أن تحفظ ملامح والدها قبل أن يبتلعها النسيان. لكن الدموع خانتها، انسابت بصمت، وسقطت على يده الباردة، كأنها تحاول أن تعيده للحياة.

خارج الغرفة، كانت المدينة نائمة، كما لو أن العالم لم يفقد شيئاً، كما لو أن ضوء المصابيح المرتعشة لم يشهد انكسار روحٍ في العتمة.

فجر الوردة شعر خديجة التومي

فجر الوردة شعر خديجة التومي


 لمن تشدو البلابل إذن؟

ونجوم الياسمين تحدّق بي
في هذا المساء الغائم في الشفق
أليس الصّمت ثقيلا حتى الجنون؟
والرّكن يُباهي الرّكن جمودا
من أسدل ستائر الغياب ؟
يقتاتني الشوق
يغتالني الحنين
وهذا الكابوس بيتي
فتطير بي القدمان
وأمشي ثمّ أمشي ، أنازل الصمت
أقتله بالهروب ...
والضجيج من حولي صاخب
والذوات ناشزة ، مستنفرة ، ضاحكة لعوب.
وأنا يا أناي متى تُلقي عصاي ؟
تتلقّف رأس تمرّدي
وهذا السّائد
وهذا الواقع
أنا المجدولة على حبل من العصيان
هل أهادن ؟
كلّ البلابل غادرتني
وذاك القلب الجميل هو الباقي
والمساء الغائم في الشفق
لا يغريني
فالفجر فجري
يجيؤني باكرا
يشدّني إليه برفق
يدنيني بعذب الكلمات
ويرخي لحن الفرح ثمّ يمضي
ويظلّ زماني بلا ميقات
وتهجر لبّي الدقّات
أنتظر فجرا آخر يحييني
ينقلني إلى صهوة الشمس
ولا يؤذيني.
يزرعني أملا ، حبّا وأفقا ليس يستكين
كي تضيع من ذاكرتي السنون..
وفي الفجر أولد
نقيّة ، بهيّة ، مثل وردة ضمّخها النّدى
فتهيم الرّوح جذلى
وأردّد الفجر فجري
والأشواق أشواقي
فلا المساء الغائم في الشفق يعنيني
ولا سطور المقدّر كائنة
أنا حبيبة فجري
أريده كما أشتهيه
ويبعثني كما يراني .

-------------------------------
خديجة التومي كاتبة و شاعرة من تونس.

أيّ الفرسان تشتاقين ؟: شعر خديجة التومي

أيّ الفرسان تشتاقين ؟  
 شعر خديجة التومي


أيّ الفرسان تشتاقين ؟:  شعر خديجة التومي

كانت لهفتنا لا تَحتَمل
صوري وحكاياتك
ونبش لا ينتظر
لم تصدأ معاولنا
كان الطفل في عينيك
وكنتُ أنشودة في صور
والقدر يُطرّزنا ترنيمة فجريّة
قصيدة تُطاول الأزل
يَغفو اللّيل على الحكايا
فأكتبك سطرا ، قصّة جرح هل التأم؟
يُدنيني منك ذاك الألم
وحبر الرّوح يضمّده
يعصرني حتى التلاشي
والصور بيننا تُخاتل الزّمن
تنتظر الحكاية متى تكتمل ؟
أضحت لهفتنا لا تُحتمل
فهل من سيرة يغيب فيها البطل ؟
وكيف يجفّ عنّا القلم ؟
كتبتك نمنمة فارسيّة حين كان المطر
ورسمتني صورة من قِدم
فهل يخدع اللّهفة غدر القدر ؟
أطلق عنانك
فهذا الدفتر بيننا مثل القَسم
وهذا الخيال ممتدّ كالأفق
وهذي الكلمات دافقة تنفجر
كبركان أو كشلاّل من عِبر
وقصّتنا الطريدة تبحث عن مستقرّ
منّي الكلمات كالدّرر
ومنك الحَفْرُ
حتى الغائر يندمل
واللّهفة بيننا إكسير لا يَحتمل
وعدٌ منجز لا مفرّ
وبهجة أخرى ، هِبة لا تنتظر
ذرني ألاعب الصبا على أرجوحة العمر
في عطر السرو شددت الحبال
ومن عبق النعناع كان السؤال
أيّ الفرسان تشتاقين ؟
قلت والرّيح المجنونة ترسلني
كحلم فجريّ جميل
ليس غير فارس الكلمات
أو هو الأسطورة المنحوتة
من ألم وأنّات
والطفل في عينيه لا يبرحني
وحكيُه يهدهدني
يسابق أرجوحتي
فأنام على راحتيه
أمنية ليل بلا فجر
ففي الظلام تغتسل الكلمات .

--------------------------------------
خديجة التومي كاتبة و شاعرة من تونس.

ما عاد الحلم يغريني: شعر خديجة التومي


ما عاد الحلم يغريني: شعر خديجة التومي


هبّت النّسائم ذاوية
خجولة تعتذر
تحنو على الأغصان
والحُبَّ تلتمس
تحزن للوريقات الذابلات
والياسمين مشتعلٌ
عانقتني وشدَت
"في الغد موعدنا ..
ومطر الخصب ينتظر
فسياط الشمس تُحتضر
وإن عتت فالبقاء للمعتدل"
قلت وماذا عن عتوّ البشر
والمظالم والمحارق لا تنطفي؟
استقوت واهتزّت ترتعب
تُدافع عين الشمس
وكلّ شرّ منتهك
" إنّ المستبدّ حادث سير منعزل
ولولا اعتدال في الكون احترق
فالأرض تُحيي العروق
وإن اشتعل الورق
كذا نضرب المثل للبشر
وأنّ الظلم مركب ربّانه الغرق
وأنّ القهر قوس آن أن ينغلق
ومقابر التاريخ تبتلع
فلا بقاء لآثم ومنفلت
في درك من خزي ولعنات الأبد "
ثُبت والرّيح تهدهدني
أفتح الشبايبك والأشعة الحمراء تردُّني
صرخت أين الرّيح قد كانت لي ؟
وأين الحلم الجميل نوّمني ؟
وإذا صرير مثل السجن يُسمعني
أنّات الزنازين في وطني
وخوف المساكين في وطني
وجوع الشحاذين في وطني
وضباب المحارق في وطني
وأنّ الريح أرجوحة ملعونة ترقب البحر
وتكتفي
مومياء قّدّت على عجل
فشاه الصّانع والمصطنع
غلّقت نوافذي...
وكبّلت حروفي المتمرّدة
ناجيتك أنت البعيد
كيف أهرب منك إليك ؟
وكيف أدني حُلمين تقاطعا
فهل من قلب يحتمل ؟
نصفه النّابض بك
والنّصف التائّه لك وطني

----------------------------
خديجة التومي كاتبة و شاعرة من تونس.

هاهو الحزن : هديل الحساوي


هاهو الحزن : هديل الحساوي


هاهو الحزن قد عاد ليبلل الروح ببكائه البارد. أنت الذي تستطيع غالبا أن تسكب دموع الشجن لتغتسل روحك، لكنها تتحجر كلما كسر حزنك لجامه وصار تنينا ينفث دخانه في سمائك.
ماهو ذلك الذي يقتص روحك على ميزان ماعت، هل أصبحت أثقل من ريشة؟
ترمي ببصرك بعيدا نحو أفق بدأ يتلاشى كوهم، تركض خلفه مسرعا، حاثا خطوتك على الإكمال. ألم تبدأ هذا الطريق ويجب عليك إكماله؟
هل يكون آخره مغتسل يبرد روحك التي التهبت في الطريق.
تنقذك أحيانا مكالمة صديق يخبرك أن على الحياة أن تمضي بمسرة. تنقذك أحيانا صورة ترسمها، تخطيط تقوم به، أمل ضئيل ما زال يقدح في عمق روحك.
كل الممكنات التي كنت تراها تحولت إلى ضبابية رمادية، تحبو على ركبتيك تبحث عن الخطوط البيضاء لتدلك على الاتجاهات. أنت الذي لم تؤمن يوما بالاتجاهات وجبلت على أن تكون وجهتك حرة.
الريشة ثقيلة جدا تشدك نحو ظلمة لا تدرك كنهها وضوء يسري يشد بصرك نحو قبس نور بعيد.
في حالة كهذه، تتكوّر داخل ذاتك بإنتظار أن يتعب التنين ويعود لقيده.

هديل الحساوي كاتبة من الكويت

الأسيرة: الكاتبة منى بر كان

الأســـيرة



الأسيرة: الكاتبة منى بر كان


غارقة في أحزاني
ونافذتي زجاجها محطم
أوراق مذكرتي بالية
ضاعت أمالي والسهام تخترق كياني
العينُ غيثُها يسقي سجّاد غرفتي
سجّادٌ شاهدٌ على ألامي
أخبرتني صديقتي يوما عن قصة إينشتاين
حين سألوه عن كيف إستطعت 
أن تحقق إنجازاتك ، فردّ عليهم قائلا :
"حين يفكر الأخرون بالممكن ، أنا أفكر بالمستحيل "
مهلا ...أنا أيضا كنت أسبح في بحر الخيال
كنت أحلم أن احلق في الأعالي
كالنسر أنطلق وأطلق العنان
هههههه! إستيقضي وغادري أرض الاوهام
لا مكان لكِ داخل قصر السلطان
أين سأذهب ؟....أين سأذهب بكل هذه الأمنيات ؟!
توقفي أيتها العبٓرات.... ما خطبك أيتها الكلمات ؟!
صارت دمعتي ملاذي الوحيد
 مُذ أن رحلت من دون إياب
 تركتني وحيدة في وسط الغابْ
وحيدة ، أصارع أنياب الذئاب
سُجِنت في سجن جدرانه تحكي أهاتِ
وزواياه تحتضن معاناتي
سقفه إعتاد سماع أنينِ
أنينٌ يحكي وحدتي منذ أن رحلت أمي
أماه يا أماه .... أين أنتِ ، وكيف حالك ....
أنا لست بخير ياأمي
منذ ذهابك ضاع مرامِ
كُسِرت أجنحتي وهُزّ كياني
أعيش في رقعة الشطرنج
مقيدة ، أسيرةّ تُحركني الأيادي
الحياة بعدك ياأمي جحيمٌ
كأنني أعيش فيلم رعبٍ ، أبطاله أفراد مجتمعي
مجتمعٌ أفراده يسخرون و يحتقرون أحلامي
يدّمرون ، و يُحرقون دفتر أمنياتِ
أمنيات وأحلام بنيناها سوية ً
تلك أمنياتٌ تبخرّت بعد رحيلك ِ
لقد إتضح لي أنها لن تنسجم مع واقعي المرير
الواقع الذي أرهق قلبي وزاده أنيناً
واقعٌ جفّف مِداد قلمي
قلمي الذي توّجني كاتبة الأحزان.

-----------------
من إعداد بركان منى
ولاية سوق أهراس - الجزائر

أغنية لذاك المساء: شعر خديجة التومي

أغنية لذاك المساء: شعر خديجة التومي



تكبّرتْ وتجبّرتْ
ونارها بين الأضلع تستعرْ
يذوب لهيب الشمس في الرّيح
وزخّات المطر ..
فلا أحد، لا شيء ينازل القدر ...
سوى ذكرى الخديعة والألم
تظلّ تسري بين روح ودم
فتيّة ، ناهضة ، عصيّة الدمع
تُجاوز المدى وهذا الكلِم
تشرط فجرا جرحا آخر
والجراح مفتّحة العينين لا تندمل
نواطير ترقبني ، تغذّي جمر السّهر
وتسيح بي نحو فواصل الزّمن
تنقلني على جناحي فَراش
والحدائق تُغدق النوّار وشوك الألم
وحكايا الصّبا وأحزان القِدم
وهذا الرّوتين يقتلني ، يُحرقني
فمتى أشعله أو أشتعل ؟
وفي تلك الليلة الشتويّة
أسعفني المطر ...
ورميتك عنّي أيّها الضجر
ليل الغاب بارد بهيّ صامت بلا قمر
وشال الصّوف مدلّى يُعانقني
وكنت أهيم بك خيالا زائرا
ونفحات من شعر وأدب
وحكايا الطفولة ماثلة مثل أسطورة
أو هي أمثولة وعبر
كيف حللت بي وهذا الضباب يحيطني؟
والنّواطير مشرعة العيون
وأحكام الرّجم مدلاّة أمام ناظري ؟
قلت لي : التحفي الشال ولا تبالي
لا شيء ينازل القدر
سوى روحين تناديا من قدم
وهذا الليل لنا وإن غاب القمر
فبركة السّماء في رشقات المطر
فاطلقي العنان للأمنيات والقلم
واخترقي الجليد وحطّمي القمم
لك فرحي وعشقي
وارسمي لو شئت أحزاني
فأنا مثلك شقيّ
وبين أضلعي نار الأبد
تلهبني وألقي عليها من مائي فتنطفي
ما من سامور يظلّ أبدا يشتعل
كوني حبيبتي فاللّهيب باللّهيب ينفطر
هذه الفيزياء وقانون التنادي ليس يفنيه العدم
وليس يكذب أو يندحر
فالأحزان لو شئنا يعلوها الفرح
وكم من العمر نحيا ؟
وكم بقي حتى نشقى ؟
فهذا الليل لنا وإن غاب عنه القمر
وفجرنا سيأتي فلننتظر
وإن تأخّر عن حكايتنا السّفر .

-------------------------------
خديجة التومي كاتبة و شاعرة من تونس.

قصيدة "غــدر" منــية عمّار

قصيدة "غــدر" منــية عمّار 




جئتكم بالورد والسّحر الحلالْ
لم أكن اذ جئتكم أنوي القتالْ
جئت والحبّ معي في أضلعي
والأماني طعمها عذب زلالْ
رايتي بيضاء لم أضمر أذًى
فأنا العزلاء لا أبغي النّزال
كان ظنّي أنّني محظوظة
برفاق عن يميني والشّمال
فإذا بالحظّ ينأى في المدى
وإذا بالقبح يغتال الجمال
سقط الوردُ وأدمى مهجتي
سهمُكم حتّى فقدت الإعتدال
أنا أهوي من علوّ خلته
واقعا لكنّه محض خيال
ربّما متّ ولكنّي أرى
أنّني فارقت أشباه الرّجال
عشت أعطي من دمي قبل يدي
ووريدي كان حبلا للوصال
وفؤادي كان بستانا به
جدولٌ يجري ووردٌ وظلال
وأغان عانقت حلمي كما
عانق الطير الرّوابي والجبال
وأمان عذبة معسولة
هي زادي كلّما عزّ المنال
خبت ظنا في رفاق جئتهم
بزهوري فأتوني بالنّصال
ظلمهم نار تلظّت في الحشا
غدرهم فوق حدود الإحتمال

 منية عمار

نافذة السراب: لطيفة بهيج

نافذة السراب: لطيفة بهيج



قبالة النافذة
أتبادل النظرات مع الفراغ
ذاكرتي محض سراب
لا تلوي على شيء
مخيلتي منطلقة كمهر يسابق الريح
أتعثر بأفكار كبيرة
و لا أسقط
على الهوامش
أشجار تسابقني
لا أعدّها
أبني بها غابة
و بيتاً خشبياً
بين صفصافتين
ينهمر ماء المخيلة رقراقا
أجلب نهرا تحت النافذة
حياتي
أيتها الفكرة المعلقة بين هاويتين
لا تسقطي بهوة الجاذبية
كما يسقط الشعراء
في شرك اللغة

 لطيفة بهيج شاعرة من المغرب

الخروج من جزيرة الأسماء بقلم زهير كريم

الخروج من جزيرة الأسماء

الخروج من جزيرة الأسماء



في جملة مكثفة وعميقة، يقول (كونديرا): الاسم شكل من أشكال الاستمرارية في الماضي، والناس الذين لا ماضي لهم، هم أناس بلا اسم. وبطل هذه الحكاية لم يغادر _ على الرغم من كل التحولات في سيرته الطويلة_ ابدياته الصغيرة التي ترسخت صورها في منطقة عميقة من الذاكرة، والتي يحملها اسمه الاول النائم في خانة آمنة من وعيه. لم يغادر حنان الطفولة، لم ينس انتشاء العاشق في لحظة تواصله مع بنت الدحمان، بل كان يسمع في كل حال ايقاع للحياة القديمة، طاردا كل خشونة او هزيمة في حلبة الماضي، كل مشهد فيه اشارات تتعلق بالقسوة المفرطةا في التجربة الشخصية للبطل في الوطن الام. فكان هذا التجذر الواعي هو سبب استمراره، ووسيلته في الحفاظ على توازنه الاخلاقي، وانتصاره النهائي في حربه الشخصية مع الوقائع العجائبية، الاحداث التي انطوت على إدراك لمبدأ المقاومة، فلم يستسلم للالتباسات الاشد شذوذا في تفكيره، غير مشكك بأن رأسه آلة تصوير قديمة تحتفظ في ذاكرتها المعتمة بكنز، وان اسمه هو حرز يحرسه من ضغط المنفى، وبذاءة الشعور بالاغتراب الذي رافقه في مجمل الرحلة العجائبية، التجربة القاسية التي سرد بعض تفاصيلها بنفسه، وتعاضد في اكمالها رواة آخرون دعاهم الكاتب الى حفلة النواح في جزيرته المتخيلة منذ البداية لهذا السبب. يقول الراوي، السيد الذي اشترى مصطفى: لابد أن تغيّر اسمك، وتخفي دينك ايضا، لن يرحمك احد في هذا المكان....
والأسماء بحمولاتها الثقافية والدينية والنفسية تشغل حيزا في كامل النص الذي كتبه عبد الرحيم الخصار، إذْ رسم من خلالها خارطة التحولات التي مرت بها الشخصية الرئيسة، ورصد تقلباتها النفسية واعطابها وانكساراتها واوهامها. بالنسبة لي سوف أعيد ترتيب هذه الأسماء زمنيا كي أمسك بخيوط هذه اللعبة السردية التي تبدو في ظاهرها تفكيكا لقضية العبودية والتي تداولها الأدب كثيرا عبر نصوص لا يسعني حصرها، وفي باطنها، تجربة وجودية مضنية، بحثا عن الذات التي تغرق في عبودية الأسماء. إنها لعبة الحيرة بين الداخل والخارج، المنطقتان الصالحتان طوال السرد لإدارة النقاش عن معنى الحرية: مصطفى. العبد، استيبانيكو، استيفانيكو، استيبان، استيفان الاسود، استيفان الموري، أكا، المكسيكي الاسود، الفاتح الاسود، الزنجي. لكن اسم مصطفى يتوهج في النهاية لأنه أصل مرتبط بالوعي وليس عارض نسجته الاوهام، ولم يكن بطل جزيرة البكاء الطويل بلا اسم، لأن لا وجود لشخص او شيء بدون اسم، حتى لو كان متحققا كوجود فعلي، أما مصطفى فموجود، لكنه اسم مخفي تحت طبقات خلقتها السُلطة التي تمنح الاسماء المزيفة، ليشكل هذا الزيف ختم تحريم فوق ختم، بينما الحقيقي لايموت بل يتعرض للتغييب ربما، وعدم موته يعني أنه يحتفظ بصفة القداسة، التي تغذيها الرغبة بالانعتاق من السلطة الخارجية او الداخلية، فكل اسم ينطوي على جوهر راسخ، لن يستطيع عارض محوه، او كمايقول دورانتيس، السيد النبيل قي الصفحة92، بعد تعميد مصطفى وتغيير اسمه: اعرف أن استيبان ظل كما هو من الداخل، فالأسم بالرغم من كل شيء مثل اللباس يمكن تغييره، اما مايعتمل في القلب ومايرسخ في الروح، فهو شبيه بجبل قديم....
والحكاية التي على تطفو على السطح في هذا النص، تتحدث عن مصطفى الذي يبيعه ابوه لتجار برتغاليين وصلت سفنهم لنقل شباب( ازمور)، المدينة الصغيرة التي احتلها البرتغاليون قبل سنوات من هذا الحدث، مدينة الجوع والأوبئة والقمع التي لم يعد العيش فيها ممكنا، على النحو الذي تخلخلت فيه ثنائية الحرية والعبودية، الى ثنائية، الطرف المقابل للحرية فيها هو العيش. في اشبيلية يشتريه سيد شاب، ينقله الى مدينته، لكن هذا السيد يقرأ في عينيّ العبد الرغبة في الخروج من منطقة النسيان، حالة العبودية والرضا الى الطيران بجناحي صياد ماهر، من الزهد في الأشياء الصغيرة الى تطوير الطموح من اجل الوصول الى رتبة اصحاب الثروة. يعلم السيد عبده كل شيء، القراءة والكتابة وارتياد المسارح والمبارزة وارتداء الملابس وعادات كثيرة وافكار عميقة حتى يحين موعد الرحلة التي تشكلت من عناصر هي بمزيج من الجشع والبطولة، في النهاية هي حمى البحث عن الذهب، لكنها كذلك تعبير آخرعن الإرادة، عن الوعي بالوجود، والغموض الذي يجعل الكائن بين مرتبتين، الفهم المعتد به، والعطب الذي يراافق الجهل المفجع، حيث تسير حكاية مصطفى في طريقها الى عمق الكيان الإنساني. الى المحرضات التي تصنع القراراتُ، العطب والشك الدائم. التناقض وخيانة الذات، وصخب النفس بوصفها حلبة للقتال.
وعندما نقرأ من جهة اخرى ( جزيرة البكاء الطويل) فنحن أمام قضايا أخرى اهمها حالة الاغتراب النفسي والاخلاقي والثقافي،، الهجرة، الحنين إلى الوطن الأم، إلى الاسم الذي كانت تنادي فيه الأم، عن المجد والثروة، لكنه ايضا رحلة للبحث عن الذات، عن الحرية، عن اليد الممدودة لانتشال الآخر من هاويته، وهو المقياس الذي حدده جان جاك روسو في التفريق بين فعل الخير أو الشر. فما من ارتقاء اجتماعي او ثقافي او انساني بشكل عام لا يحمل معه السؤال عن القيمة، وبطل جزيرة البكاء لم يتنازل عن هذه الفعالية الانسانية في الحصول على نوع من الارتقاء على الرغم من قسوة التجربة، كان يحمل اسما يقاوم به الذوبان او التلاشي، ان يعود لتلك الفكرة الخالية من الغلو على النحو الذي يجعل من البشر ملاكا، وفي الوقت نفسه لا تمنحه الفرصة للفوز بخصائص الشيطان، الانسان العادي الذي يخطئ ويصيب لكنه لا يتنازل عن نشاطه العقلي في طرح الاسئلة.
ولقدغاب اسم مصطفى خلف طبقات ثقيلة من اسماء اخرى، ولم يظهر حتى الصفحات الاخيرة، كما لو أن الكاتب أراد ان يحتفظ بهذا الكنز، الورقة التي تنطوي على سر رحلته مع الكتابة، اسم لن يظهره إلا في اللحظة التي يقرر فيها انهاء الرحلة، عندما يجد فيها بطله ذاته، مصطفى الخارج من تجربة البكاء والضياع والألم والموت والعبودية. لقد حصل بطل جزيرة البكاء اخيرا على الذهب عندما تخلص من حمى البحث عن المجد والمعادن اللامعة، عندما اكتشف أن البطولة التي سكنت صورتها مخيلته، كانت مزيفة، وان الثروة التي كان يسعى اليها هي في قلبه وليس خلف المحيطات. متمسكا بنصيحة الحكيم الهندي لستيفانيكو، وهي اللحظة الفاصلة بين ذاتين وعالمين، بين جوهر الحرية وواقع العبودية: لا تبحث عن الذهب، ابحث عن نفسك، فأنت هو الذهب. اخيرا عاد البطل المزيف الى ذكرى الولي سيدي ايوب، الملاذ من الخوف والشعور بالتيه، عاد في أحلامه الى بنت الدحمان، وادعية المسجد الذي حوله البرتغاليون الى كتيسة فيما بعد. عاد الى امه، طفولته، البحر الذي تمنى في صباه ان يكون مأوى لأحلامه وميدان رزقه ووسيلة عيشه.
لقد تعددت الاسماء التي رافقتها تحولات مصطفى منذ ركوبه سفينة البرتغاليين من (ازمور) حتى عودته من الضفة الأخرى لبحر الظلمات ، ازاح الطبقات ليظهر بصورته ما قبل مغادرة وطنه، وكانت هذه الإشارة هي تعبير عن تحرره، لا يتعلق الامر باللون ولا بالوظيفة، بل بتلك النقطة التي في الداخل، الجوهرة التي توهجت، حين حصل على الوسيلة اليت مكنته من فركها، نصيحة الحكيم الهندي: انت هو الذهب!
لقد كانت بذرة الحرية نشطة في قلب مصطفى، والشعور بالعبودية خفيفا ليس مثل غيره من العبيد الذين جاءت بهم سفن البرتغاليين والاسبان، وكان من الممكن ان ينقذه اسمه قبل الدخول بتجربة الذهاب الى الضفة الاخرى، من الممكن ان يقوم الحب بهذا المهمة، في وقت ما توفرت له فيه كل الشروط الموضوعية للانعتاق، لكن تراكم الاسماء، وتجاربه الغرامية الفاشلة زادته يأسا، علاقته مثلا بالبلغارية كارا سيميرًا البيضاء التي قابلها في السوق، لم يعيقه اللون والعبودية من التواصل معها، لم تثره صديقتها او خادمتها السوداء، كما لو ان وجود هذا السواد يذكره بعبوديته، لكن الحب يحرر القلب والعقل، على النحو الذي كان يخاطب سيده باسمه بدون لقب. وهي اشارة بليغة على تحرر مصطفى او استيفانيكو من الداخل على الرغم من وظيفته وصفته باعتباره عبدا. في النهاية ذهبت ( كارا سيميرًا )، وذهبت (أماريس) ايضا
وكان فصل الرحلة، يشبه تلك الرحلات العجائبية المبثوثة في كتاب الليالي، البحر والسفن، لكن الحنين ايضا للموطن، للأهل، للجن الذي يسكن أجساد البشر، والتعاويذ والاعشاب والقراءات. لقد كانالجوع طوال السرد ثيمة أساسية، الجوع الذي يجعل البشر يأكلون بعضهم، الحضارة المتوحشة، التي ظهرت عند الاختبار زيفها ، عكس هؤلاء الذين يسمونهم متوحشين، الهنود الذين اظهروا جوهرا انسانيا متفوقا لا تطفئه التقلبات وتحفظه الاسماء الاصلية من كل زيف.

علَى رفّ مكْتبتي: شعر إيمان جمعة

علَى رفّ مكْتبتي

على رف مكتبتى


على رف مكتبتى العتيقة امسح غبارها....
انظم كتبى بكل الحنين
من بينها كتب منسية على الرف العلوى...
لم اقراها فترة من السنين
لمستها كما تلمس الام وليدها الغافى....
ومن عينى فرت الدمعتين .
تذكرت متى اشتريتها....
من رجل بشوش الوجه على الرصيف
شدنى ندرة ما يعرض....
بترتيب عاشق بجلبابه الازرق النظيف
كم مضى من الوقت حين اشتريتها.....
قصص الحب العفيف
ووقعت عينى بجوار كتبى الكثيرة......
ألبوم الصور القديم
جذبته وضممته برفق إلى صدرى...
بلهفة حبى العظيم
اقلب صفحاته اللامعة أطالع صورى ...
بقلبى المرتجف المليم
واذ ابتسامة على وجهى ثم تنهيدة ..
هذا إبى يضمنى ...
وقبلة على الجبين
وجلسة عائلية على شاطىء البحر..
وقلعة رملية بين القدمين
وهذه صورة رحلة مدرسية....
وبراءة الاطفال ضاحكة العينين
طويت الالبوم واعدته مكانه....
ونظرت إلى وجهى النحيف
واخبرتنى مرآتى لقد كان عمرك سعيدا ...
وتجاعيد على جبينى بالخط الطفيف
لقد مضى من العمر كثيرا
وذبلت زهور الربيع وحل الخريف
وانهيت ترتيب كتبى مبتسمة....
وجلست اتنسم هواء نافذتى اللطيف.

بقلم الشاعرة: إيمان جمعة

خبيئة للقلب: شعر خديجة التومي

خبيئة للقلب: شعر خديجة التومي




خبيئتي
عند البحر أُلقيها
وأسرار اللّيالي الفجريّة
يوم قلت لي لماذا تأخّر موعدنا
وهذا الكأس مترع بالحلم بيننا ؟
والحرف قيد يأسرنا
أجلس عند الموج يهدهدني
يردّ الخبيئة
مبلّلة ، بها غواية الأعماق
وسرّ الأبد
أضمّ الوعد فيها ، وسيرة عمرك
أنتظر مرارة البدايات الحزينة
وعيناك اليتيمتان جافتان
ماذا لو تبلّلتا بهذا الرذاذ من حولي ؟
ماذا لو كانتا مثل القناديل المضيئة ؟
كنت قرأتهما دون هذا العناء
وجلوت الطلاسم الساكنة فيهما
أكان ذاك العمر عمرك ؟
أرهقني السؤال
وحيّرتني التفاصيل
والمنحنيات تروم الهاوية
فترفعها يد القدر نحو الأفق
وتصير حكايتك خبيئتي
أحملها بين الشغاف والشغاف
ويصير عمرك عمري
منحوتة
معزوفة
قصيدة متمرّدة ، متفرّدة لا تكتمل
قلت لك والبحر غائم متهدّج الأمواج
: كم العمر الآن؟
وهل يُغفلنا الزمان؟
تعال نخندق بعيدا عن ممرّ الحياة
ونكسر السير والسيرورة وكلّ ما فات وآت.
ونرسم على الطرق خبيئتنا ، نذرو عطرها في الفلوات، نشيع بها الحبّ
في كلّ الردهات .
غير أنّك حدّقت بي ..
وضممت قلبي يومها خوف أحلام
لم تلدها الحياة .


خديجة التومي كاتبة و شاعرة من تونس.

المرأة والكتابة في الثقافة العربية (مُقاربة جندرية) قراءة في كتاب ''تاريخ النساء الذي لم يُكتب بعد" لفيروز رشام"

  بقلم الدكتورة: خديجة زتيلي

جريدة الخبر الجزائرية بتاريخ 6 أفريل 2023


المرأة والكتابة في الثقافة العربية (مُقاربة جندرية)


تَتَوَخّى الكاتبة الجزائريّة فيروز رشّام الدقّة والرصانة في الإنشاء في كتابها تاريخ النساء الذي لم يُكتب بعد: دراسة حول الكتابة والجندر في الثقافة العربيّة، وتُوفّر للقارئ فُرصة ثمينة للاطّلاع على النصوص خاصّة القديمة منها المتعلّقة بالتُراث الفِقهي التي تُؤطّر هذا العمل، إنّها تعود بالمسائل إلى جُذورها التاريخيّة لتَتَمكنّ من بناء موقف مُتماسك يقوم على التحليل والنقد من أجل إنشاء نصّها الخاصّ الذي يَجتهد للمُساهمة في بناء تاريخ إنساني لا ذكوري. فهي تُحاول فهم الأسباب التي جعلتْ مُساهمات النساء في مجال الكتابة خَجولة بالمقارنة مع الكتابات الهائلة التي ألّفها الرجال والتي غالبا ما تَرسم صورة سلبيّة عنهنّ.

تبدأ رشّام البحث والتقصّي في مجال الأدب لتنتقل إلى ما هو طبّي ونفساني وتاريخي ثم ديني وأنثروبولوجي، وتَنتهي إلى أنّ الثقافة العربيّة ساهمتْ في حَجْب صوت الأنثى، لذلك لا تَدخل الكتابة عند النساء في باب الهِواية والتسلية، بل هي ''ثورة على الوأْد المستمرّ''. وهذا المبتغى هو الذي يُحرّك كتاب رشّام الذي يُركّز على تاريخ الكتابة النسائيّة من خلال تقديم قراءة مُزدوجة وجندريّة لها ، وهي في مسعاها هذا تَتَوَسّل بالنصوص الأدبيّة والفقهيّة لتوضّح الفارق بين أن تَكتب المرأة عن نفسها وأنْ يُكْتَبَ عنها من طرف الرجال.

يُركّز الفصل الأول من الكتاب على تاريخ المرأة والكتابة بمحاوره الثلاث: الكتابة والجندر، المرأة كذات كاتبة، ثمّ المرأة كموضوع للكتابة، فلماذا لم يُكتب تاريخ النساء بعد؟ تَتَسَاءل رشّام، لأنهنّ لم يُخلّفن إنجازات تستحقّ الذكر، وهذا مُستبعد! أم لأنهنّ كنّ بعيدات عن الكتابة بفعل سُلطة ذكورية احتكرتْ هذه المهمّة لنفسها وحسب؟ تنحاز الكاتبة لهذا الرأي الأخير مُبرّرة قناعتها بأنّ الكتابة في الثقافة العربيّة، بشكل عام، هي ذكورية بامتياز. وفي حقيقة الأمر فإنّ هذا المسار كان ذاته في مُعظم الثقافات التي يُهيمن فيها الفكر الأبوي. ولا يعني الاهتمام بكتابة تاريخ النساء أنّ لديهنّ تاريخاً مُنفصلاً عن تاريخ الرجال، إنّما «الهدف من ذلك هو إضافة الحلقات المفقودة في السَرديات التاريخيّة التي أغفلتْ إسهامات النساء» (ص 23).
وفي سياق متّصل تتساءل الكاتبة: «أليسَ من الغريب فعلاً أن يكون تاريخ الكتابة عند المرأة العربيّة قصير جدّا لأنّه لا يتجاوز حدود قرن وبضع سنوات فقط في حين أنّ تاريخ الكتابة باللّغة العربيّة يَمتدّ لما يُقارب الأربعة عشر قرنا!» (ص32). لقد أفضى البحث في الثقافة العربيّة إلى وجود نصوص هي بمثابة قوانين تمنع المرأة من الكتابة، وتستشهد رشّام بكتاب ''صبح الأعشى'' للــ ''القلقشندي''، الذي يتمّ التركيز فيه على صفة الذُكورة بوصفها ضروريّة للكُتّاب ويَسْتبعد الأنوثة لأنّها ليستْ مُستحبّة في الكِتابة، وهو المضمون نفسه الذي دافع عنه ''نعمان خير الدين الألوسي'' في أواخر القرن التاسع عشر في كتابه: ''الإصابة في منع النساء من الكتابة'' مُحذّرا الرجال، فيه، من تعليم النساء القراءة والكتابة! وهكذا يُحاول التاريخ الذُكوري تَرسيخ قناعاته بعجز المرأة عن التفكير، وبالتالي تخويفها من الكتابة كما انتهى إليه ''عبد الله الغذّامي'' في كتابه ''المرأة واللغة''.
غابت المرأة كذات كاتبة فناب الرجال عنها وتكلّموا باسمها وأنتجوا صُوّرا سلبيّة عنها وقدّموها كجسد للإمتاع والمؤانسة في كتب كثيرة منها: ''في الاحتراز من مكائد النسوان'' لــ ''علي بن عمر الأبوصيري''، وكتاب ''ابتلاء الأخيار بالنساء الأشرار'' لــ ''ابن القطعة'' و ''العقد الفريد'' لــ ''ابن عبد ربه الأندلسي'' ولا يُستثنى في هذا الباب كتاب ''ابن قيم الجوزية'' المعنون ''أخبار النساء'' من قائمة الكتب النمطيّة في نظرتها السطحيّة واللاإنسانية للنساء، لكنّ كتاب ''بلاغات النساء'' لـــ ''ابن طيفور'' يُشكّل الاسْتثناء لاعتنائه بمواهبهنّ، وهكذا ترسّختْ، مع مرور الزمن، فكرة أنّ الرجل مُنتج للمعرفة والمرأة مُستهلكة لها. لكن ليس بوسع المرء تجاهل الجُهود التنويريّة الحديثة، لـــ ''رفاعة الطهطاوي'' و ''فارس الشدياق'' و ''قاسم أمين'' و ''الطاهر الحداد'' وغيرهم، التي ناصرتْ النساء في معاركهنّ المصيريّة. وتختم رشّام الفصل الأوّل من كتابها بالإشادة بموقف كُتّاب الصوفية في الإسلام من المرأة ونظرتهم الإيجابية لها، من خلال استحضار شخصية ''محي الدين ابن عربي'' الذي اسْتوعبَ المرأة كإنسان كامل.
يَنْتَقل الفصل الثاني إلى موضوع الكتابة في الأدب، ويَعتني في مُستهلّه بالصحافة بوصفها الحاضنة الأولى لنصوص البدايات في شكلها الفكري والأدبي قبل إصدار النساء لكُتبهنّ المستقلّة. فقد وَجَدَتْ الكتابة النسوية العربيّة الحديثة ضالّتها في المجلاّت والصُحف التي كانتْ تُنشر في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد والجزائر والمغرب وتونس. وما يَسْترعي الانتباه أنّ الكتابة عند المرأة «ارتبطتْ بإعلان العِصيان ونقد العادات والتقاليد وثقافة الذكور» (ص69). ولا مندوحة عن الإشارة في إيجاز أنّ الكُتب الأدبيّة الإبداعيّة للنساء في الوطن العربي قد ازدهرتْ منذ نهاية القرن التاسع عشر، مع تفوّق ملحوظ للرواية، في القرن الماضي، التي توزّعت بين الكتابة التاريخيّة التي تنأى بنفسها عمّا هو شخصي وخاصّ، والسيرة الذاتيّة التي تَستعمل الرمز للتعبير عن الأفكار والذات.
علاوة على ذلك، تنخرط الكاتبة في هذا الفصل في موضوع الجسد كمحور للكتابة من خلال عَرضها لبعض كُتب النِكاح وكيف قَدَّمَ الرجال جسد المرأة وطبيعتها الجنسيّة، وتأتي، في هذا السياق، على ذكر كُتب القاضي ''الشيخ النفزاوي'' التي يدلّ مضمونها على جهل تامّ بالمرأة وجسدها إذْ تُعرض كآلة جِنسيّة شَبقيّة وككائن بلا عقل. ثم تنتقل إلى كتب الفقيه ''جلال الدين السيوطي'' التي تَمتلئ بالخرافات عن النكاح والحمل والولادة لا صلة لها بالحياة البيولوجيّة والسيكولوجيّة للمرأة وغيرهما، لتخلص، في نهاية المطاف، إلى أنّ جميعهم يختصرون ''الجسد الأنثوي'' في وظيفة جنسيّة ويُقدّمونه في صورة خاطئة.
ووفقاً لهذه النتائج، فإنّ الكتابة النسائيّة في مختلف مجالات المعرفة تأتي كفعل ثوريّ مُضادّ للثقافة الذكوريّة المُهيمنة وتَهدف إلى تطهير التاريخ من الأكاذيب، وينضوي تحت لواء مباحثها موضوع ''الجسد'' الذي طاله التشويه والتحريف لقرون من الزمن. ولعلّ هذا ما يُفسّر اهتمام الكاتبات به ليغدو من التيمات المركزيّة في نصوصهنّ، وهذا الأمر ينسحب، مثلا، على مُؤلّفات ''نوال السعداوي''، التي تَتَوَسَّل بالكتابة لصياغة خطاب مُضادّ يُضيء الزوايا المعتّمة وينتصر لإنسانية المرأة.
أمّا الفصل الثالث فيتصدّى لــــموضوع فِقه النساء كما كتبهُ الرجال، وتَستهلّهُ الكاتبة بطرح السؤال: لماذا يُعادي الفُقهاء المرأة؟ فمن الأمور التي تَسترعي الانتباه أنّ فكرة العَداء لها تكرّستْ في الكُتب الدينيّة من فِقه وتَفسير وأَحْكام واكتسبتْ مع مرور الزمن قُدسيّة «تخطّتْ أحيانا قدسيّة القرآن» (ص 109). لكنّ هذا العداء، كما تؤكّد، لا يعود إلى النصّ القرآني، بل إلى تأثيرات الثقافة الأبويّة السائدة وتلك المعروفة قبل الإسلام، وهو ما جعل الفِكاك منها صَعباً، فجاء الفقه، نتيجة لذلك، امتدادا لها وحاملا لقيمها لأنّ الفقهاء هم أبناء بيئتهم وثقافتهم وغير معصومين من الخطأ.
احْتكر الرجال الفقه «وأنتجوا خطاباً أعنف من ذلك الموجود في الثقافة التي ينتمون إليها» (ص111)، وأنتجتْ مُخيّلتهم ''امرأة الفُقهاء'' بتعبير ''ريتا فرج'' في كتابها امرأة الفقهاء وامرأة الحداثة: خطاب اللامساواة في المدوّنة الفقهيّة، وهي بمثابة إنسان في مرتبة ثانية في المجتمع مملوء بالعيوب والصفات السيّئة، وبلغ بهم الأمر إلى درجة اعتبارها حيوانا، مُتحجّجين بصور قرآنية انْتُزِعت من سياقاتها، ويُمكن الرجوع، في هذا الشأن، لـــ ''الجامع لأحكام القرآن'' لــــ ''أبو عبدالله محمد ابن أحمد الأنصاري القرطبي'' على سبيل المثال لا الحصر. وعطفا عمّا قيل، فإنّ أغلب الأحاديث التي تُهين المرأة كاذب ومزوّر والبعض حُرِّف وأُخرجَ من سياقه كمّا نبّه إلى ذلك أهمّ جامعي الأحاديث ''أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري'' في كتابه ''صحيح مسلم''.
انتهى الفقه المذكّر المتواطئ مع الثقافة السائدة إلى سجن النساء ومنعهنّ من الفضاء العامّ، وبشكل خاصّ في القضاء والسياسة والدين والعلم، وَقد وَضَع لإحكام سيطرتهِ عليهنّ دساتير تحت مُسمّيات ''فتاوى النساء'' و ''أحكام النساء''،، وهي بمثابة قوانين تُحدّد مسار حياتهنّ من الولادة إلى الوفاة بأحكام لا تَأْل جهدا في التحقير من شأنهنّ واعتبارهنّ مخلوقات دُنيا، ولعلّ فتاوى ''ابن تيميّة'' هي أبلغ مثال على ذلك. ويخوض هذا الفصل، أيضا، في مسألة الحجاب ومفهوم العورة والاختلافات الموجودة بشأنها في مُختلف المذاهب الإسلاميّة، ومفهومها بين الأَمَة والحُرّة وما يَطرحه من تناقضات، كما يَتناول موضوع المتعة الجنسيّة وختان النساء.
وتَبدو عِناية الفصل الثالث، بذكر بعض الأحكام الفقهيّة الغريبة الأطوار، واضحة مثل جَواز مُضاجعة الزوج لجثّة زوجته بعد موتها ونِكاح البهيمة والاسْتمتاع جنسيّا بالطِفلة الرَضيعة والزواج بالقاصرات ورضاعة الكبير، حيث تبدو المرأة في كلّ هذه الأمثلة جسداً رخيصاً حوّله الفُقهاء للمُتعة فقط. أمّا في باب ''حق الرجل على المرأة'' فالمدوّنة الفِقهيّة الذكورية مليئة بالحوادث العنيفة والأحكام القاسيّة التي تجعل المرأة ذليلة وبلا حقوق وكرامة، ويَكفي تَصَفُّح كتاب ''عبد الملك بن حبيب''، ''أدب النساء الموسوم بكتاب الغاية والنهاية'' لفهم هذيان الفقه الذكوري. واليوم لا يبدو أنّ الفقه جدّد مقولاته وأحكامه لأنّ الصورة السلبيّة عن النساء لا تزال مُتغلغلة في ثقافتنا رغم وجود كتابات حديثة مُنصفة لهنّ، لكنّها تبقى محدودة الأثر بالقياس إلى الخطابات المضادة لها.
تَنتقل الكاتبة في الفصل الرابع والأخير إلى فقه النساء كما كتبتهُ النساء، فهل توجد الفقيهات تَتَساءل؟ لتعترف أنّ لا مُدَوّنات فقهيّة تُنسبُ لهنّ بسبب إبعادهّن عن الإمامة والولاية والقضاء، لكنّ كُتب السِير والتَراجم الاسلاميّة ذكرتْ أنباء عن مُحَدّثات ومُتصوّفات وقَريبات من الرسول (ص)، ككتاب ''الطبقات'' لــ ''ابن سعد'' و ''المسند'' لـــ ''ابن حنبل'' و ''تاريخ مدينة دمشق: تراجم النساء'' لـــ ''ابن عساكر'' و ''تذكير الأولياء'' لــ ''فريد الدين العطّار'' و ''وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان'' لــ ''ابن خلكان''. كما أورد ''ابن حجر العسقلاني'' في كتابه ''الإصابة في تمييز الصحابة'' مُشاركة أزيد من خمسمائة امرأة في كتابات المحدِّثين القُدامى، وإليه يعود الفضل في التأريخ لمائة وسبعين امرأة عالمة ومُتخصّصة في علم الحديث في القرن الثامن الميلادي مثل ''جويرية بنت أحمد'' و ''عائشة بنت عبد الهادي''، كما قدّر المستشرق ''غولدتسيهر'' Goldziger أنّ خمسة عشر بالمائة من علماء الحديث في العصر الوسيط كانوا من النساء.
شاركتْ النساء في بناء العلوم الاسلاميّة في القرون الأولى للوحي، لكنهنّ أُبعدن لاحقا واعتبرن مجرّد أجساد للمتعة، وقام الرجال بالاستحواذ على الفقه وتأويل النُصوص الدينيّة بما يتّفق ومُقتضياتهم النفسيّة والاجتماعيّة، وإلى غاية اليوم لا تزال المؤسّسة الفقهيّة ذكوريّة تضع كلّ السياجات لكي لا تقربها النساء وتُحاجج في الفتاوى التي ظَلَمَتْها وأَهانَتها وكَبَّلَتْها. ومن تَجرؤ منهنّ على كسر الحاجز يُكال لها كل أنواع السِباب والشَتائم والإِهانات والأَوصاف القَبيحة، وقد تَتَعرّض للمضايقات والتشويه والطَرد من العمل والسجن وحتّى للتهديد بالقتل.
ثم ينعطف هذا الفصل إلى موضوع ''النسويّة الاسلاميّة'' التي تشكّلتْ في الغرب من أكاديميات من جنسيات وتخصّصات مختلفة ابتداء من تسعينيات القرن الماضي، وتهدف هذه الحركة الاجتهاديّة إلى الاعتراض على القراءة الذكوريّة للقرآن والحديث النبوي والدعوة إلى تجديد الخطاب الديني بمشاركة المرأة، وتبحث في النوع الاجتماعي (الجندر) أو ما يُعرف بالتَشْكيل الثقافي للجنسين، على غرار ما تقوم به ''ليلى أحمد'' التي تبحث في حقوق المرأة التي كفلتها لها الشريعة الاسلاميّة ولم يكفلها المجتمع، وهي من أهمّ وأوائل المشتغلات على قضايا الجندر من منظور إسلامي، وتَسلك ''أميمة أبو بكر'' و ''أمينة داوود'' وأخريات طريقها، وتَشترك النسويات الإسلاميات في أنّ «القراءات الفِقهيّة الذكوريّة هي التي أخرجتْ القرآن من مَقاصده الإنسانيّة النبيلة إلى مقاصد عدائية للمرأة، وقد استطاعت بالدليل والبرهان إثبات المغالطات التي قدّمها الفُقهاء» (ص 157).
ولا تزال هذه الفئة صامدة رغم صعوبات الطريق والذهنيات المغلقة، ولا تريد أن تلقى مصير ''نظيرة زين الدين'' التي أَخْرسها الفُقهاء في عشرينيات القرن الماضي، بعد أن شَوّهوا سُمعتها وشهّروا بها في حَلقاتهم لأنّها تَجرأتْ على الخوض في مسائل دينيّة ودافعت عن حقّ النساء في التفسير والتأويل، فسكتتْ إلى الأبد بعد نصيْها: ''السفور والحجاب'' ثمّ ''الفتاة والشيوخ'' وكانت وقتها في العشرينات من عمرها.
لا حاجة للتأكيد، في ختام هذا المقال، أنّ ما تقوم به الكاتبات اليوم من مجهودات كبيرة لتفكيك النصوص الفِقهيّة الذكوريّة هو من الأهميّة بمكان لتكريس ثقافة جديدة تكون عقلانية ومُتسامحة، ونُذَكِّر، هاهنا، بجهود: ''ألفة يوسف''، ''زهيّة جويرو''، ''آمال قرامي''، ''أسماء المرابط''، ''أميمة بكر''، ''ريتا فرج''، ''رجاء بن سلامة''، ''نائلة السليني''، ''ميّة الرحبي'' وغيرهنّ، فالهدف النهائي ليس الانتصار للنساء وحسب، في مجتمعاتنا العربيّة، بل وللإنسان أيضا. وإنّ أنبل وسيلة في هذه المعركة المصيريّة انخراط المرأة في إعادة كتابة التاريخ لتصحيحه من الأخطاء وتطهيره من الأكاذيب، وهو ما قامت به، بشجاعة واقتدار، فيروز رشّام في كتابها ''تاريخ النساء الذي لم يُكتب بعد''، الذي يُعدّ إضافة مُهمّة للمكتبة الجزائريّة والعربيّة.